جزء من شهرة أولاد حارتنا نابع من تحدي البعض للمتحفظين الذين يرون محفوظ جاوز الحد. فيتحدث هؤلاء عن عظمة العمل مما يجعل آخرين بالمقابل يقول أنه لم ير فيها ذلك الإبداع ولا العبقرية فما هي إلا قصة الأنبياء مقولبة في حارة.

لو نظرنا إلى أولاد حارتنا كحكاية فهي فعلاً قصص الأنبياء مقولبة. بل إن البعض لاحظ أنها مكتوبة في 114 فصل ومقدمتها اسمها افتتاحية وكأنه يتعمد استفزاز مشاعر المسلمين. ولا إبداع فيها إلا قصة عرفة فهي الوحيدة التي كتبها محفوظ بدون قصة يقتبسها. لذلك كنت أتساءل دائماً ما الهدف من تلك الرواية؟ كلنا نعرف ما حدث ولن تزيدنا جملة آفة حارتنا النسيان الكثير.

لكن في نفس الوقت كنت أتساءل عن الحكمة من رسالات الأنبياء وتدرجها، عن الجنة وجريمة القتل الأولى وشعب الله المختار وظهورالمسيح ومعجزاته، ثم الذهاب لمكة من أجل النبي الأخير، ولماذا أغلقت السماء أبوابها بعد ذلك.. ومن هنا بحثت في أولاد الجبلاوي عما يجعلني أفهم قصص أبناء آدم.

لا تحمل الرواية إجابات، ولكنها بجانب التلخيص الجيد والرمزي لقصص الأنبياء، تحمل بعض الإشارات التي قد تصبح هي خلاصة القصة وهدفها.

 أول إشارة كانت في مشهد احتضار أدهم:

وغمغم متسائلا:

أبى !

وخيل إليه أنه يسمع الصوت القديم وهو يقول :

مساء الخير يا أدهم .

فاغرورقت عيناه ، وهم بالقيام فلم يستطع ووجد غبطة وبهجة لم يجدهما منذ أكثر من عشرين عاما، وقال بصوت متهدج:

دعنى أصدق .

فقال :

أنت تبكى وأنت الذى أخطأت .

فقال أدهم بصوت يشرق بالدمع :

الخطأ كثير والعقاب كثير ولكن حتى الحشرات المؤذية لا تيأس من العثور على ظل .

هكذا تعلمنى الحكمة!

عفوًا .. عفوًا ، الحزن أرهقنى، والمرض ركبنى، حتى أغنامى مهددة بالهلاك.

جميل أن تخاف على أغنامك.

تساءل أدهم فى رجاء :

هل عفوت عنى؟

أجاب بعد صمت :

نعم .

فهتف أدهم بجسم مرتعش :

الشكر لله، منذ قليل كنت اقرع قاع هاوية اليأس بيدى.

فعثرت على فيها !

نعم كالصحو بعد الكابوس .

لذلك فأنت ولد طيب ..

فتأوه أدهم قائلا :

أنجبت قاتلاً وقتيلا .

الميت لايعود فماذا تطلب ؟

فتنهد أدهم قليلا :

كنت أهفو للغناء فى الحديقة ولكن لن يطيب لى اليوم شيء.

فقال :

سيكون الوقف لذريتك .

الشكر لله .

فقال :

لا تجهد نفسك واركن إلى النوم .

المقطع عن الغفران. لما صار أدهم لا يهتم بشيء ولا يريد إلا الظل المتمثل في غفران الأب بعد ما نسي حلم عودته للجنة. عندما سأل أدهم الجبلاوي هل عفوت عني صمت الجبلاوي قليلاً قبل أن يرد لأن أدهم لم يفعل ما يستحق العفو لكن الجبلاوي سامحه لسبب واحد فقط هو الرحمة بالابن الذي فقد كل شيء. وزيادة في الرحمة طمأنه على مستقبل أبنائه بمنحهم الوقف ربما ليتركه يموت في سلام.

إذن فقد بدأت قصتنا على الأرض بالغفران, رغم أنه بدون الغفران كانت الحياة ستستمر، ولكن الغفران هو ما منح البشر السلام والاطمئنان أنهم مازالوا في ظل الرب.

الإشارة الثانية في قصة جبل في المشهد الشهير لتنفيذ مبدأ العين بالعين. ما أراده آل حمدان وأولاد الحارة والبشرية جميعاً هو العدل. وما موسى أو جبل هنا إلا سيف العدل الماضي . ولكن هل تحتمل البشرية العدل؟ فقط العدل هو ما جعل آل حمدان يبكون عين صديقهم التي فقأها جبل. ناسين أنه نفس العدل الذي جاء بحقوقهم والذي ميزهم عن بقية الحارة. لذلك يعلنها جبل:

– والله ما كرهتم الفتونة إلا لأنها كانت عليكم، وما أن يأنس أحدكم في نفسه قوة حتى يبادر إلى الظلم والعدوان، وما للشياطين المستترة في أعماقكم إلا الضرب بلا رحمة ولا هوادة، فإما النظام وإما الهلاك.

تلك هي المنحة الأخرى: العدل الذي اختص به الرب من اختارهم، بالعدل منحهم دعمه ونجاهم وأورثهم الأرض. العدل سلاح ذو حدين، وكما أهلك من ظلمهم فسيكون سيفًأ على رقابهم لو ضلوا.

 

أما قصة رفاعة فهي عكس جبل في كل شيء. بدءاً من صفات رفاعة حتى نهايته. رفاعة هو الرحمة أمام عدل جبل. هو إنكار الوقف أمام سعي جبل له. رسالة رفاعة أنه من كان يبحث عن السعادة فهي في الرحمة والاستغناء. وهنا العنوان الآخر في السعادة لمن لم يجدها في الكبرياء والوقف. وكأن رفاعة أو المسيح في رسالته القصيرة كان لإثبات أن بحث الناس عن السعادة متمثل في بحثهم عن القوة والدنيا فقط. وأن لا أحد يريد السعادة حقًا. لذلك فحواريو رفاعة الذين خلصهم من عفاريتهم لا يتوانون عن نقص عهده بحجة ثأره وتحقيق رغبته فيقتلون ويحوزون الوقف ويخلقون حياً جديداً باسمه وكأنه ليس هو من ترك آل جبل وذهب لأهل الحارة.

كان اليهود يدعون الرب في كل صلاة أن يرسل فيهم المسيح ظنًا أنه سيهلك أعداءهم ويحولهم إلى ملوك. لكن تصاريف الرب أرسلت المسيح يحدثهم عن مملكة السماء التي تشمل الجميع بالرحمة حتى أعداءهم. لذلك رفضه اليهود وقبله الضعفاء ، وتحولت رسالة المحبة لوقود الحروب.ومرة أخرى فالبشرية تثبت أنها لا تعلم ما تريده.

قاسم يجمع بين النقيضين. العدل والرحمة. الوقف والاستغناء عنه. فهو يحوز الوقف لاستحقاق أهل الحارة له لا ليعيشوا منه. فهو هنا الجمع بين الدنيا والآخرة. ولكن هل هذا هو كل شيء؟ يقول لهم قاسم في كلمته الأخيرة كلام عن الوحدة والتصدي للظلم . فما بال التفرقة حدثت بين أقرب أهله من بعده . لماذا تطمح البشرية لأشياء تتخلى عنها بسرعة ملبية نداء الظلمات . مؤكد أن هناك قيمة أخرى مفقودة غير الرحمة والعدل .. قيمة لا يدرك الناس أنها موجودة بل أنهم لا يطمحون لتحقيقها . تلك القيمة تولد منهم ولا تمنح لهم وهي العلم.

شيء واحد شغلني في قصة عرفة وهو رسالة جده بأنه راض عنه. فعرفة والعلم طبيعة متمردة تبغي الكمال من ذاتها دون اللجوء للجبلاوي ولا وصاياه. لذلك يظن عرفة أنه عدو الجبلاوي كما يرى المنحازون للعلم أنه نقيض الدين. لكن تلك المصالحة هي السر والخلاص الذي لم يأت بعد. فحين يكتمل الثالوث: العدل والرحمة والعلم ، حينها لنشهدن مصرع الطغيان، ومشرق النور والعجائب.

 

الكاتب محمد ذهني.