“يقول أحدنا،بسهولة كبيرة ،إنه راغب في الموت ،ولكنك مع مرور السنوات تزدادين تشبثاً بكل يوم إضافي و لا تفلتينه مقابل أي شيء.”

“عشر نساء” رواية للكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو المولودة سنة 1951 وتعتبر من أهم كاتبات القارة الأميركية الجنوبية والترجمة لصالح علماني وقد صدرت أواخر العام الماضي في دمشق.

عشر نساء قصة ملهمة محكمة النسيج عن نساء يتوحّدن معاً للتغلب على المصاعب التي تواجهها كل واحدة منهن في حياتها. مقتنعةً بأن الجروح تُشفى فقط عندما تُكسر قيود الصمت، فإن واحدة من النساء، التي تعمل معالجة نفسية، تجمع تسع نساء لا تعرف أيٌّ منهن الأخرى، كما أنهن مختلفات تماماً عن بعضهن، لكي تروي كل واحدة حكايتها الشخصية.

‏في رواية “عشر نساء”، تبدأ ناتاشا وهي المعالجة النفسية لبقية النساء، بعبارة:

“كم تهز النساء مشاعري. كم يحزنّني، لماذا حمل نصف الإنسانية حمولة بهذه الضخامة وترك النصف الآخر يستريح؟”

‏تصف “مانيه”، وهي المرأة الثانية، اصابتها بحمى الخيول، وكيفية عناية زوجها بها، وتختم حديثها بعبارة:
“كنت أتمتع بترف الاحتضار بينما رجل يقبع عند قدمي، يحبني ويعتني بي.”
‏تجد مانيه بأن الحب نعمة إلهية لا تشترى. أن ذلك الحب يدخلك بحالة من الطمأنة بأنك لم تعش أيامًا عادية، حتى لو انقضى لأي سبب كان. أن ذلك الحب يزيل كل الجزع من داخلك، لأن ما حدث غيرك تمامًا، ولا يمكن انكاره أبدًا.
“إنك تقدمين حياتك مقابل عناق قوي، مقابل هذه القوة الوحيدة التي تثبتك، تكبحك.”
‏تختم مانيه (وهي الآن امرأة وحيدة، ومتقدمة جدًا في السن) حديثها حول ما ترغب به بعد كل هذه السنوات بعبارة تقول فيها:
“أظن أن هذا ما أطلبه، يد في شعري قبل أن أغفو نائمة إلى الأبد.”
‏تصف خوانا (المرأة الثالثة والمصابة بنقص الانتباه وفرط النشاط)، كيفية عيشها للحياة بعبارة تقول فيها:
“سعيت في الحياة راكضة، أصل إلى المكان من أجل المغادرة وليس للبقاء!”
‏طوال حديث خوانا عن نفسها، كانت تحتقر هشاشتها العاطفية بشدة، فمثلا تصف وقوعها بحب رجل متزوج، فتقول:
وهكذا بدأ بمغازلتي، ببطء. بكثير من الاحترام، إلى أن صرت غير قادرة على الاستغناء عنه، إلى أن وقعت في الحب مثل أي نذلة!
‏تقول سيمونا (المرأة النسوية، والمتمردة على مجتمعها):
“الناس لا يتغيرون، وإذا كان الرب قد خلق شيئا من المرونة في العالم، فقد احتكرتها النساء”
‏تنفعل سيمونا خلال الحديث عن زواجها وتقول:
عندما تتحولين لمزبلة للزوج، يلقي عليك غضباته وانفعالاته وأخطاءه وقلقه، فهذا يعني أن عليك الهرب بعيدا. فلا شيء يمكنه جعلك على هذه الحال، حتى لو كان عقد زواج.
‏تتساءل سيمونا عن التنازل الذي من الممكن تقديمه بالزواج، فتقول
“إلى أي حد يمكن التنازل من دون الحاق الضرر جديًا بالهوية الشخصية، ومن دون فقدان الاحترام بصورة نهائية؟”
‏”لم أتمكن قط أن أكون معه في المكان نفسه من دون أن أشعر بحضوره. فقد كانت هناك قوة ومتعة كبيرتان في داخلي لم أستطع عدم رؤيتهما. وإذا ما نهضت لتناول كأس ماء، أقطع قراءته للجريدة لمجرد لمسه، هكذا، بخفة رقيقة، كي أقول له دوما أنني ألحظ وجوده، وأنني ممتنة للحياة لأنه معي.
‏”لم أعرف مثله قط. لم يكن بخيلا في حبه قط ،ولم يقننه قط. كان يحبني بكاملي وبصورة منفتحة. ولم يغلق الباب حتى في أسوأ اللحظات. لم يسمح يوما بأن أشعر أنني غير واثقة من حبه لي، ولو ثانية واحدة.”
‏”لقد كانت علاقة شديدة العمق، يمكنني الاختباء تحتها، الاختفاء، الاحتماء من العالم كله، باستثنائه هو.”
‏تقول ليلى (الفتاة التشيلية من أصل فلسطيني)
“من الغريب أن يكون الميل السائد في العالم الكوني إبراز الهويات، وأن تختاري الهوية التي تهمشك أكثر من سواها هوية عرق، هوية معاق.. إلخ.”
‏بعد انتقال ليلى للعيش في غزة، تصف بأن الضفة الغربية بمثابة الجنة إذا ما قورنت بغزة، كما أنها تقول بأنه لو اختارت التعبير عن المشاعر كلها التي عاشتها هناك، لاختارت تلخيصها بكلمة خوف.
‏”أتعلمن ما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لكائن بشري؟ الاختفاء. الموت أفضل بكثير من الاختفاء، هذا ما تقوله لويسا بعد غياب طويل لزوجها عنها دون معرفة أخباره.
‏”أكثر من ثلاثين عاما بلا رجل. لا أحد يموت بسبب غياب رجل، ما أعرفه هو أنني متعبة، إنني متعبة، متعبة جدا.”
هكذا تقول لويسا بعد غياب زوجها، وتحملها مسؤولية تربية الأولاد وحدها. تقول هذه العبارة بأسى، فحتى الحب، يحتاج لمجهود حقيقي، لا شيء يحدث بعفوية وسلاسة كما نعتقد.
‏هناك شيء فريد لفتني في الكتاب. حيث قامت بعض النسوة بذكر عدة أمور كانت تعني لهن حياة حلوة بالفعل. فمثلا واحدة منهن تقول أنها لو امتلكت عينان خضراوان لكانت جميلة، وأخرى عندما أصلحت أسنانها صارت حياتها كاملة. أما الأخيرة فتقول بأن جلسات المساج هي أفضل ما حصل لها!
‏تقول لو:
أن التستر على حب تشعرين به نحو شخص آخر، هو أمر باعث على الغم. وأن العلاقات الرسمية كالخطوبة والزواج، وجدت لكي تعطي المشاعر الكامنة الحق بالوجود، وأنها بمثابة صمام أمان، كونها تمنح سبيلا حرًا للتعبير عن نفسها ومجالا لتتطور فيما بعد.
‏من الغريب أن أفضل كلمة تعبر عن حياتي هي النجاح، فالأحزان والآلام والقلق، كلها تظل مغطاة بصدأ حروف هذه الكلمة. تقول آندريا.
‏”ألا يقولون أننا نعتمد على الفن كيلا تدمرنا الحقيقة؟”
٣٨٠ صفحة