لم يُخلق الرجل ربما ليبقى وحيداً ولكنه كذلك رغم هذا. حتى لو كان متزوجا، يبقى الرجل وحيداً ومنبوذاً على سطح كوكب يدور في فضاء فلكي بسرعة 29.79 كلم في الثانية.
يولد الرجل، يركض، يسارع ليعيش، يقرأ الكتب، يذهب إلى السينما، يعاني، يتناول فطور الصباح، يموت. أحيانا، وأثناء كل هذا، قد يبدو له أنه لم يُخلق للعزوبية الأبدية. قد يبحث إذن عن الوقوع في الحب، هذا يعني أن يكذب على امرأة جميلة وعلى نفسه بذات القدر.
دعونا نراه بعين متفهمة وحنونة:
يحاول أن يكون محبوبا وأن يكتسب شعبية مثل مرشّح داخل حملة انتخابية، هل يشكّ أن لا يقدر على تحقيق ما يَعِدُ به؟
قد يجرّب إقناع نفسه بأنه سعيد. يتزوج، يتناسل، يلتقط صوراً ملونة، كمحاولة منه لتخليد كل الأشياء الزائلة. كم تبدو رؤيته مؤثرة داخل هذه اللقطات. يمسك بين يديه رضيعاً يلبس اللون الوردي بكامله، هذا الأخير لا يعرف بعد أنه سينتهي وحيدا، هو أيضا. إحدى يديه تمسك يد زوجته وتضغط عليها “هل ليمنعها من الرحيل أو فقط من أجل طمأنة نفسه؟”.
اليوم الذي يكتشف فيه الرجل أنه مغشوش، يرفع عينيه إلى السماء، ومن خلال دموعه التي تتقاطر ينظر إلى الشمس التي تقف على مسافة 152 مليون كلم من الأرض. لا تحمله قدماه فيزحف على الأرض، يتقيأ فطوره، إنه مثير للشفقة، نرجوكم أن تعذروه بسبب هذا الجزء المحبط من القصة. إثر ذلك، يخرج في المساء، بعدما يتقبل أخيرا أن كل الرجال محكومون بالعزوبية. البعض يحتاج لوقت أطول لتقبل ذلك، ولكن هذا هو مصيرهم الطبيعي.
التسكع من بار إلى بار، من مدينة إلى مدينة، من امرأة إلى امرأة، مشاهدة أفلام الفيديو، أكل مزيد من الأطباق في الخارج، الرقص أمام المرآة، محاولة التظاهر بأنه تحول إلى شخص آخر، صُنع أشياء من قبيل معلبات اللبنة، أو العطور، أو السيارات، أو الروايات، كل هذا لإسعاد السيدات، لإبهارهن
“بلا جدوى طبعا، بما أن الأشياء الوحيدة التي تستطيع إسعادهن هي الأشياء التي لم تُصنع بعد”.
غير المتزوجين ليسوا مرتاحين لأنهم لا يمتلكون امرأة تطلب منهم الاغتسال. نتعرف على الأعزب دائما، من خلال رائحة الخمر التي تفوح مع أنفاسه. ذقنه غير المحلوقة بعناية والزرّ الناقص دوما في قميصه النتن. الأعزب مثير للشفقة أكثر مما يثير الرغبة، إلا للرجال المتزوجين الذين يتخيلونه حُرّاً والحقيقة أنه محبط ليس أكثر. الرب يعرف أنه يجب أن يكون محبطا ليأكل وجبة سريعة من ماكدونالدز يوم الأحد مساء أمام التلفزيون، خصوصا منذ تم تعويض “آن سينكلار” “بميشال دروكير”.
الرجل المتزوج مخطئ بلا شك في غيرته من الأعزب، لكنه لا يستطيع فعل شيء حيال ذلك، لأنه شعور أقوى منه، يحلم أن يوقع جميع النساء ويتخيل أن الأعزب غارق في بحر من الجميلات، أنه يمتلك حياة مغامر جميلة، مع عطلة نهاية أسبوع إيطالية، مداعبات فموية، عبث كبير، وضعيات جديدة لممارسة الجنس، رسائل مثيرة على بريده الصوتي. يجهل أن الرجال غير المتزوجين يعودون كل ليلة إلى بيوتهم لوحدهم، خائبين إلا لو كانوا أفرادا من البويز-باند (وحتى في هذه الحالة يجب أن يكونوا متجددين لأن الأمر لا يمكن أن يصمد طويلا). أفضل دليل على أن الغير متزوجين تعيسين، هو أن النساء لا ترغب بهم: يفضّلن إيقاع زوج أقرب صديقة إليهن.
شخصيا، أعيش مع أحدهم، لأنني ضعيف. لا أمتلك الشجاعة الكافية لأعيش وحيدا، ولا لأتزوج ثانية. ثمة منطقة فنيّة غائمة بين العزوبية الكئيبة والزواج المملّ: دعونا نسميها السعادة.
يصلح الزواج لحمايتنا من الاستسلام والوقوع أمام حقيقة الحياة، ألا وهي الموت، كما يقول سيلين في كتاب رحلة في نهاية الليل.
ولكن الحب كذبة تحمل جوانب جيدة، قلت لنفسي وأنا أعض أذن ديلفين، تحت قمر معلق على بُعد 384.400 كلم من رؤوسنا الصغيرة والبريئة”.
بقلم فريديريك بيجبيديه وهو كاتب فرنسي وناقد أدبي ومخرج ومذيع بالتليفزيون الفرنسي، ولد في 21 سبتمبر 1965 في نويي-سور-سين بفرنسا. حصل على جائزة رينودو الأدبية عام 2009.