رواية واحدة أم ثلاث؟

الجميع يعلم قصة الثلاثية التي وردت على لسان نجيب محفوظ نفسه، بأنه ذهب لسعيد السحار برواية أكثر من ألف صفحة اسمها بين القصرين لنشرها، فاعتذر السحار لاستحالة نشر كتاب بهذا الحجم. لا أذكر من الذي اقترح تقسيم الرواية لثلاثية ( لعله يوسف السباعي) فخرجت بين القصرين لثلاثية: بين القصرين ( حيث يعيش أحمد عبد الجواد وأسرته) و قصر الشوق (ياسين) والسكرية ( أسرة شوكت) . ولعل اسم روايتي قصرالشوق والسكرية هو أكبر دليل على أنها كانت رواية واحدة، فلا قصر الشوق تدور في قصر الشوق فقط حيث مازالت الحكاية الأصلية تدور في بين القصرين، ولا السكرية تتعلق بابني خديجة فقط.لكن نجيب كما يبدو أراد الإشارة للحقبة العمرية أكثر منها لمكان القصة. فقصر الشوق عن الأبناء والسكرية عن الأحفاد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان التقسيم الزمني داخل الرواية الأصلية موجوداً بهذا الشكل ؟ أعني أنه بعد وفاة فهمي قفزت الأحداث خمس سنوات فإذا بكمال في الثانوية العامة والبنات انجبن؟ وهل فجأة بوفاة سعد زغلول (نهاية قصر الشوق) قفزت الأحداث ثمانية أعوام فإذا بالأحفاد كبروا وصارت الأحداث في أواخرالثلاثينات ؟

لو كان ذلك هو الوضع الأصلي فكأن هذه الرواية خلقت فعلاً لتكون ثلاثية ونجيب لا يدري.

بين القصرين قد تبدو ثقيلة بعد سبعين سنة من كتابتها ومئة عام من أحداثها. ولكن ثقلها خاصة في نصفها الأول هو نفس ثقل مشهد الحفر ووضع الأساسات لمنزل سييدو بعد الانتهاء منه في غاية الروعة. ولن يتخيل من يشاهده كم كان منظر المكان ثقيلاً على العين أثناء وضع اللبنات الأولى. فنجيب في نصف بين القصرين الأول يضع أساس الأسرة التي ستدور حولها روايته في ربع قرن. ثم ينطلق مع الأحداث في النصف الثاني من الرواية خاصة اثناء ثورة 1919 لينهيها بمشهدين من أروع ماكتب في تاريخه: مصرع فهمي

هم بالهرب أو التراجع أو حتى التحول عن موقفه ولكنه لم يفعل شيئاً،ما وقوفك وقد تشتت الجمع؟! في خلاء أنت،اهرب..صدرت عن ذراعيه وساقيه حركة بطيئة وانية متراخية .ما أشد الضوضاء ،ولكن بما علا صراخها؟ هل تذكر؟ ما أسرع ماتفلت منك الذكريات.ماذا تريد؟أن تهتف؟أي هتاف؟أو نداء فحسب.. من؟ما؟ في باطنك يتكلم،هل تسمع ؟هل ترى؟ ولكن أين؟ لاشئ ، لاشئ ، ظلام في ظلام ،حركة لطيفة تطرد بانتظام كدقات الساعة ينساب معها القلب..تصاحبها وشوشة . باب الحديقة . أليس كذلك؟يتحرك حركة تموجية سائلة ، يذوب رويداً ، الشجرة السامقة ترقص في هوادة،السماء.. السماء؟ منبسطة عالية، لا شئ إلا السماء هادئة باسمة يقطر منها السلام .

و مشهد السيد أحمد عبد الجواد في طريقه للمنزل بعد تلقيه الخبر.

“ينبغي أن يخرج من حيرته، فإنه لا يدري حتى كيف يحزن، يود لو يخلو إلى نفسه ولكن أين؟ سينقلب البيت جحيماً بعد دقيقة أو دقيقتين، وسيلحق به الأصدقاء فلا يدعون له فرصة للتفكير.. متى يتأمل الخسارة التي مني بها.. متى يتهيأ له أن يغيب فيها عن الدنيا جميعا؟ يبدو هذا بعيداً. ولكنه آت لا ريب فيه، وهذا قصارى ما يجد من عزاء في راهنه. أجل سيأتي وقت يخلو فيه إلى نفسه ويفرغ إلى حزنه بكل كيانه. هنالك ينعم النظر في موقفه على ضوء الماضي والحاضر والمستقبل، أطوار حياته كلها من طفولته وصباه إلى ريق شبابه، وما أثار من آمال وما خلف من ذكريات مطلقاُ لدموعه العنان حتى يستنفدها عن آخرها، حقاً إن أمامه فسحة من الوقت يحسد عليها فلا داعي للجزع، انظر إلى ذكرى الملاحاة التي نشبت بينهما عقب صلاة الجمعة أو ذكرى ما دار بينهما هذا الصباح من استعطاف وعتاب، كم يستغرقان من وقت تأملاً وتذكراً وشجناً؟ كم يستهلكان من قلبه؟ كم يهيجان دموعه؟ كيف يجزع والأيام تدخر له كل هذه السعادة؟ رفع رأسه المثقل بالفكر فلاحت لعينيه المظلمتين مشربيات البيت فذكر أمينة لأول مرة حتى أوشكت أن تخونه قدماه. ما عسى أن يقول لها؟ كيف تتلقى الخبر؟ الضعيفة الرقيقة التي تبكي لمصرع عصفور! أتذكر كيف هملت دموعها لمقتل ابن الفولي اللبان؟! ماذا تصنع لمقتل فهمي؟ مقتل فهمي؟! أهذه هي نهايتك حقاً يا بني؟ يا بني العزيز التعيس! أمينة.. ابننا قتل.. فهمي قتل.. يا له… أتأمر بمنع الصوات كما أمرت بمنع الزغاريد من قبل؟ أم تصوت بنفسك؟ أم تدعو النائحات؟! لعلها تتوسط الآن مجلس القهوة بين ياسين وكمال متسائلة عما أخر فهمي، سوف يتأخر طويلاً، لن تريه أبداً.. ولا جثته، ولا نعشه، ياللقسوة، سأراه أنا في القصر أما أنت فلن تريه، لن أسمح بهذا.. قسوة أم رحمة؟ ما الفائدة؟ وجد نفسه أمام الباب فامتدت يده إلى المطرقة ثم تذكر أن المفتاح في جيبه فأخرجه وفتح الباب ثم دخل.. ترامى عند ذاك إلى سمعه صوت كمال وهو يغني بعذوبة: زوروني كل سنة مرة حرام الهجر بالمرة.

في عشق الأب الجبار وعقابه

مهما كانت توجهات القارئ فإنه سيقع في حب أحمد عبدالجواد. بورعه المختلط بفسقه. وحزمه المختلط بهذره. وقسوته المختلطة بطيبته.وكبريائه المختلط بتواضعه. وهي حالات ليست فقط تتعلق بوجود مع أسرته او مع الأصحاب. بل حالات تختلط عليه في ذات اللحظة. فتراه غاضبًا كالبركان ثم يهدأ ويبدأ في الابتسام من ذات الموقف. يستغفر الله لو قال لفظًا به بعض التجديف وهو جالس مع غوانيه. يتعذب من أجل ابنته ولا يسعه إلا إغلاظ القول لزوجها لعرضها على طبيب نساء.

ونجيب الذي يبدو كأنه يحب عبد الجواد مثله مثل أبنائه الذين يضيقون بطغيانه ويعبدونه. إلا أنه على مدى الثلاثية سينتقم منه شر انتقام. ما بين فقد ابن وإلحاد آخر وخزي الثالث يتقلب الرجل في خزيه الشخصي وتلاعب زنوبة به ثم تقضي عليه بزواجها من ابنه وإنجاب حفيدته الوحيدة التي لن ينالها العقاب. . بين الموت والسجن والشذوذ ستعاقب تلك الأسرة التي فقدت مجدها مع فهمي كما فقدت البشرية شطرها الطيب بموت ابن آدم وبقاء ذرية القاتل.  ستتعذب عائشة رمز الجمال كما كان فهمي رمز الطيبة والأخلاق،كي لا يبقى في المزاود إلا شر البقر. وستشهد الثلاثية أحمد عبد الجواد حبيس المنزل وأمينه تنطلق لتزور بناتها وقبر ابنها وأولياء الله. فنجيب الذي يبدو للبعض لا يتحدث إلا عن الفسق والفساد، إلا أنه يبدو دائماً كالجلاد لأبطاله، فلا تني لو ركزت على نهايات أعماله أن تدرك أنه – وياللسخرية- كاتب أخلاقي في المقام الأول

كمال ورحلة الشك

قصر الشوق تتحدث في الأغلب عن كمال وتحوله من متدين عاشق لملحد معذب. من شخص لا يطيق فكرة أكل آل شداد للحم الخنزير وشربهم البيرة، إلى سكير وزبون أبدي لبيوت الدعارة. لخص نجيب تحوله هذا في التأملات التي كتبها يوم ميلاده. وقت كتابة تلك التأملات كان كمال قد أصبح لا ديني. مازال حائراً في فكرة الرب لكن سيطرت عليه فكرة أن العلم والفلسفة هما النجاة من الجهل والخرافة فكان بينه وبين أبيه حديثًا طريفًا نظراً لنشره مقال عن نظرية دارون وأن الإنسان منحدر من القردة: “حقًا لقد تعذب كثيراً ولكنه لن يقبل أن يفتح قلبه من جديد للأساطير والخرافات التي طهره منها، كفى عذابا وخداعاً، لن تعبث بي الأوهام بعد اليوم، النور النورَ، أبونا آدم! لا أب لي، ليكن أبى قرداً إن شاءت الحقيقة، إنه خير من آدميين لا عدد لهم، لو كنت من سلالة نبي حقاً ما سخرت منى سخريتها القاتلة!ل”

لذلك كانت تأملات كمال عن الخلق. خلقه هو من نطفة ، نطفة قذفت بها رغبة بريئة في اللذة أو حاجة ملحة إلى العزاء أو صولة هياج بعثتها سكرة غاب فيها الرشاد أو حتى مجرد إحساس بالواجب نحو الزوجة القابعة في البيت.

وبعدها تطور النطفة لعلقة تمامًا كما يصورها القرآن. ليخرج منها إنسان اتخم بالعقائد. وعشق عشقًا إلهياً فلما زال زلزلت عقيدته الرئيسية. فعشق كمال لعايدة أشبه بعشق الإنسان لربه في عليائه حتى تلك اللحظة التي يدرك فيها أنه مجرد إنسان وضيع لن يبلغ خالقه فيروم التحرر من ربه . حتى أن كمال في السكرية تمنى لو أنه قابل عايدة فقالت له أنها أحبته لكنها لم تستطع مخالفة أسرتها، حينها والرأي لكمال كانت حياته كلها لتصبح ذات قيمة في نظره ولهان كل عذابه وسنين وحدته، وربما- في رأيي- لعاد للإيمان بالله. تمامًا مثل الإنسان الذي لو اطمأن لوجود ربه ورضاه عنه لتغير سلوكه وهدفه وحياته كلها.

كمال صور حيرته التي كانت جزءً من حيرة محفوظ نفسه على مايبدو في ذلك المقطع الذي يحمل السؤال: هل تؤمن بوجود الله؟

هو لم يجب ولكنه أصر على التحرر من الخرافات والتمسك بالعقل. ذلك الذي قاد محفوظ نفسه في رحلة عنيفة لا نعرف متى أنهاها. مع عرفة عندما عرف أن جده الجبلاوي مات راضيًا عنه أم جعفر الراوي الذي أعلن عن عجزه عن الكفر بالله. أم شطا الحجري الذي أعلنها واضحة وصريحة: هيهات أن تتزعزع ثقتي به؟

الثلاثية وقراءة أخرى

تبدو قراءة الثلاثية في تلك المرحلة من العمر مختلفة، منذ عشرين عاماً كانت رواية بها متعة وكآبة وتشعر معها بالحيرة من قسوة محفوظ القدرية و قرارات أبطاله المدمرة. لكن الآن وأنا في مرحلة أحمد عبد الجواد العمرية في بين القصرين وأشعر بهصرة الألم لفقده ابنه الحبيب. أشعر بقهر الرجال حقًا ليس لبراعة محفوظ في الوصف ولكن أيضًا لأنني صرت أفهم أكثر ما ذلك الشعور، وما فعل محفوظ إلا أن عبر عني كما عبر عن أحمد عبد الجواد. ثم أجدني في عمر كمال أحمد عبد الجواد في السكرية أعيش وداعه لكل شيء طيب أو قبيح. الأصدقاء، الحبيبة، الدين، مقهى أحمد عبده، الأفكار التي يؤمن بها ولا يلبث ان ينبذها، البارات، ماخور جليلة، ثم وداعه للأب الجبار لتبدأ مرحلة الأب اللطيف الصديق،ثم يودعه للأب القعيد الضعيف، ثم وداع للأب ككل.يبدو الحزن هنا يتسرب بطيئًا كما الحياة. لكن وداع أمينة كان قاهرًا صادمًا.

لم يكن يتصور أن موتها سيحمل قلبه هذا الألم كله، ألم يألف الموت بعد؟..بلى، ولديه من العمر والتجربة ما يقيه الجزع، ولكن لذعة الفراق الأبدي موجعة، ولعله مما يلام عليه قلبه أن رغم ما كابد من ألم يتألم كالقلب الغض. كم أحبته، وكم أحبت الجميع، وكم أحبت كل شيء في الوجود، ولكن هذه السجايا الطيبة لا تعيها النفس إلا عند الفراق، ففي هذه اللحظة الخطيرة تزدحم ذاكرتك بصور وأماكن وأزمنة وحوادث يهتز لها من أعماقه، وها هي يخالط نورها الظلام، وتمتزج فيها زرقة الفجر بحديقة السطح، ومجمرة مجلس القهوة بالأساطير، وهديل الحمام بأغنيات حلوة، وكان حبًا رائعًا أيها القلب الجاحد، ولعلك تقول غدًا بحق إن الموت استأثر بأحب الناس إليك، ولعل عينيك أن تدمعا حتى يزجرك المشيب. والنظر إلى الحياة كمأساة لا يخلو من رومانتيكية طفلية والأجدر بك أن تنظر إليها في شجاعة كدراما ذات نهاية سعيدة هي الموت. ثم سائل نفسك إلا تضيع حياتك هباءً. إن الأم تموت وقد صنعت بناءً كاملًا فماذا صنعت أنت؟”

وهكذا تنتهي الثلاثية بأمينة كما بدأت بأمينة .أمينة هي أصل الوجود. هي الأرض الطيبة التي نبت فيها الشهداء والضائعين والمقهورين. بينما يبدو أحمد عبد الجواد كعابر ألقى بذوره في أرضين. ياسين نبتة محملة بالخزي وأبناء أمينة الذين يحملون من الأب الكثير لكن يحملون أيضاً من الأم صفة الحب. ومن العجيب ألا يبقى من تلك الذرية إلا عبد المنعم الإخواني، وكريمة ابنة الفاسق والعوادة. هذه هي الذرية وهكذا رأى محفوظ مصر التي لم يبق في مزاودها إلا شر البقر لا فهمي ولا كمال ولا عائشة ولا حتى أحمد الشيوعي. وإن كان ثمة أمل فهو أن كمال بدأ يفيق من رحلته الفلسفية بعد أن ودع عايدة وحسين شداد وبدور واسماعيل لطيف. ربما تمثل تلك الرحلة الفلسفية ضرورة لبناء حياة رائعة ومستقبل أسرة طيبة.

لم أكن أتخيل وأنا أعيد قراءة الثلاثية بعد عشرين عامًا أن هذا سيكون تأثيرها في. شعرت بتفاهة كل شيء من الحياة ذاتها ولحظات السعادة التي لا تدوم إلى تفاهة الكتابة وإحساس بأن بعد هذه النوعية من الأعمال تبدو كثير من الكتابات بما فيها كتاباتي أنا كأنها لا شيء. رحلة بسيطة لأسرة صغيرة في خضم أحداث ثلاثين عامُا من تاريخ مصر بين حربين وملكين وزعيمين وكثير من الإحباطات والآمال الضائعة والراحلين والقادمين. تلك الرحلة التي تبدو عادية ولكن كأن بها سر الوجود. فنجيب محفوظ لم يلخص الكون فقط في الحارة، وليس الكون هو الله والأنبياء والتاريخ. الكون يمكن تلخيصه في الإنسان، في أحمد وأمينة وكمال وياسين وخديجة وعائشة وياسين وفهمي، كل منهم داخل أسرتهم هو مجرة منفصلة داخل مجموعة أكبر داخل كون هو الوطن.

الكاتب : محمد ذهني – مصر.