أحيانًا من كثرة تلقي الصدمات والأحداث غير المُتوقعة وغير المُرضية أيضًا.

يأتي عليك وقت تُقرر فيه أن ما حدث معك هو الأسوأ على الإطلاق، وما من شيء سيُلحق بك الضرر أكثر من هذا، بل ومن المستحيل أن يحدث شيء يؤلمك بعد الآن.. فتبدأ تتعامل على هذا الأساس، وعند حدوث أي شيء من المفترض أن يُثير فيك الضجر أو الحزن -حتى وإن كان شبه كارثي-، تتجاهله، لا تصدقه، تتظاهر بأنك لا تُبالي، ولا تسمح لنفسك حتى أن تتمعن فيه، وبغض النظر، تُكمل مسيرة حياتك.. نعم، في بعض الأحيان يغلُب عليك الألم فجأة، تشعر أن هنالك شيئًا ما، يجب أن تحزن حياله، ولكنك ترفض تصديق هذا، فتستمر، بحيث لا تُعطي لعقلك فرصة أن يغرق في التفكير، تتجنب حتى الخُلو بنفسك، فتُغرق حالك بالمشاغل عمدًا، على إثر قاعدة (اشغل نفسك بالعمل، حتى لا تتسائل هل أنا سعيد أم تعيس).. ونعم في بعض الأوقات تشعر وكأن قلبك سيقتلع من مكانه، ولكن لا يهم، لرُبما المسألة تتعلق بمزاجية تغيير الفصول، أو الضغوط العاديّة، وهذا كله يحتاج مرور وقت ليس إلا.. في الحقيقة.. تلك القاعدة تساعد في تجاهل ما نشعر به لوقت ما -فقط-، فهذا هو ما حدث معي أيضًا.. كأي شخصٍ في العالم، فرض عليه الكورونا، وضع الحجر الصحي، والحظر الإجباري. أصابني بغتة، مُتسع كبير من الوقت، لم أحظَ به منذ وقتٍ طويل؛ فاتجهت لاستغلال وقتي في هوايتي المُعتادة، والوحيدة.. القراءة. كنت أقرأ كثيرًا؛ لعلَّي أنشغل أيضًا عن أفكاري الخاصة، وأي شيء يُعكر صفو مزاجي.. كان من ضمن الكتب، كتاب “رسائل كافكا لميلينا”، كتاب خفيف من أدب الرسائل، كان ينتابني الفضول حياله لا أكثر وكنتُ أقرأه وسط حشدٍ من الكتب الأخرى، حتى أنني كنت أقرأه بطريقة عشوائية. “طالما أننا نستطيع أن نضع إصبعنا على الجرح، إذن يجب أن نصدق أن الجراح موجودة”، -جملة كتبتها ميلينا لكافكا في إحدى رسائلها-، جذبتني، فعِدت قرائتها؛ حيثُ أنني لم استوعبها من أول مرة، وفي المرة الثانية لم تمُر عليَّ مرور الكِرام، وشعرت بشكلٍ ما أنها مُوجهة لي، جملة وضعتني أمام نفسي!، وتأثيرها عليَّ كان أكبر من أن اتجاهلها.. ماذا كانت تقصد؟

أتخيل لو كانت ميلينا حية تُرزق، أو لو كنت أنا في زمنٍ غير الزمن.. لكنتُ أول من يبعث لها على البريد أسئلة استنكارية من نوعية، أحقًا هذا؟، إلاَم كُنتِ تُشيري بتلك الجملة تحديدًا؟ وعلامات استفهام أخرى كثيرة، آملة أن توضح مقصدها ويكون السبب بعيدًا عمّا فهمته. فماذا يا ميلينا عن الذي يمتلك قلباً لا يريد له أن يستوعب وجود الجِراح أساسًا؟، أو يُخبئها ويدّعي أنها رُبما لدغة بعوض أو حرق جلدي قديم، ربُما يختفي أو يُداوى مع الوقت.

هُنا تمامًا، أدركت الحقيقة، التي هربتُ منها، مرات ومرات.. لقد أصبحت مؤخرًا مجرد فأرٍ صغير، يتهرب من أحزانه بدلًا من مواجهتها! نعم، أضع إصبعي على الجرح وأشعر به تمامًا، لكن عقلي يرفض، يرفض الاعتراف بوجود الجِراح أصًلا. الحق يُقال.. فعلت هذا تلقائيًا.. كنت قد سئمت فكرة الانهزامات المتتالية، فكان يصعب عليَّ تصديق أن تقع على عاتقي موجة حزن أخرى، فقررت في عقلي اللاواعي أن اتجاهل الأمر هذا وذاك، وأن أُغرق حالي بانشغالات المرء العادية “شغل، دراسة..”. كُلٌ مِنا فعل هذا ولو مرة على الأقل، ولرُبما أيضًا لم يصل بعد إلى مرحلة الوحش “مواجهة الذات”.

كلنا، في لحظاتٍ ما، قررنا الهروب بدلًا من المواجهة.. بل أحيانًا يمتد بِنا الوقت لشهور وسنين، نهرب حتى من أنفسنا، وحل مشاكلنا أو عيوبنا.. بالتأكيد الأمر الذي هربت منه هو صعب، وإلا لما كنت هربت منه، ومع الأسف.. الهروب ليس حلًا، فربما هذا يفيدك لفترة مؤقتة، ولكن المشكلة تكمُن أن يكون هذا هو النمط الحقيقي لحياتك، الهروب من المواجهة، الفعل نفسه على المدى القريب والبعيد، لا طائل منه، ويحمل طاقة سلبية لا نهاية لها..

بينما شعور الألم -الحزن هُنا- سيحرك شيء ما، ليبني فيك مشاعر وعواطف جيدة أُخرى ويجعلك تفهم وتعي أشياء كثيرة ربما كنت لا تلتفت لها إلا بهذه الطريقة.. أنا أؤمن تمامًا أن كل أشكال الألم حدثت وتحدث في أفضل شكلٍ لها، فكانت ربما تكون أسوأ أو أقل تأثير؛ فلا تُغير شيئًا. ومن المُهم أن نُدرك في نهاية المطاف، أن الحزن والقلق والضجر والرفض، هي مشاعر عاطفية أيضًا، مثلها مثل السعادة والحماس والهدوء والتقبل.. يجب أن تُعاش، وأن نستوعب كل المشاعر، بنفس التقبل، بنفس الأريحية. وفي الحقيقة.. الحجر الصحي والوقت الحالي، لم يتح لنا فقط مواجهة أنفسنا، هو أرغمنا على هذا، جعلنا نتعرى أمام ذواتنا ونُعيد التفكير في أشياء كثيرة، وأن نرى الكثير من الأمور بشكل أوضح؛ لذا أرجوك من الآن لا تهرب.

 

تدقيق : وسام الغاطي

كتابة : سارة مصطفى.