قلتَ: “سأذهب إلى بلاد أخرى، سأذهب إلى ضفة أخرى،
سأجد مدينة أفضل من هذه المدينة.
كل جهودي محتومة بالفشل
وقلبي متمدد ومدفون كما لو كان ميتاً.
من قصيدة “المدينة” للشاعر المصري/اليوناني قسطنطين كفافيس.
تحُل اليوم ذكرى ولادة ووفاة الشاعر العالمي “قسطنطين كفافيس”، أحد شعراء اليونان المعاصرين العظام، ولد كفافيس فى فلسطين 29 إبريل عام 1863، وعاش فى مدينة الإسكندرية حتى وفاته فى نفس اليوم لعام 1933.
عشق كفافيس الإسكندرية، المدينة التى كانت محطة عبوره إلى ماضيه اليونانى، بأدبه وأساطيره، إذ رأى فى الإسكندرية الدافع الأول للالتزام التاريخى ليونانيته الكلاسيكية، وللتمسك بالإرث الشعرى الذى حوّلها إلى شعور داخلى.
فى قصيدته الشهيرة “المدينة” يقول شاعر الإسكندرية الكبير قنسطنطين كفافيس عن الإسكندرية:

ولسوف تتبعك هذه المدينة إلى أخر العمر

فى هذه الشوارع نفسها تتسكع
وفى هذه الأحياء ستهرم
وتحت هذه السقوف سيبيض شعرك
وإلى هذه المدينة ستنتهى دائماً خطاك
بدأ كفافيس كتابة الشعر فى التاسعة عشرة من عمره، ونشر أول ديوان وهو فى الواحدة والأربعين من عمره، وفى عام 1910م نشر ديوانه الثانى،  ولم يرسل أيٌ نسخ من قصائده للنقاد ولكن ذاع صيته في دوائر المثقفين. ولم ينشر أيٌ مجموعات بعد ذلك. ومع مرور الوقت تجاوزت شهرته الإسكندرية ووصلت للآفاق العالمية.
اقتربت لغة كفافيس الشعرية من سرد الوقائع والأحداث، وأزالت الحد بين الموضوعات التخيلية والموضوع التأريخى، بهذه اللغة، خرج الشاعر من الإسكندرية التى عاش فيها إلى الإسكندرية الهللينية القديمة.
أي مكان أجمل من هذا يمكن أن أستقر فيه: مبغى؛ وكنيسة للغفران، ومستشفى يموت المرء فيه.
هذا ما كتبه كفافيس لصديق حسن مدن في يوميات التلصص.
بعد تقاعده عن العمل في وزارة الأشغال العمومية سنة 1922 كان كفافي يقضي وقته في القراءة والكتابة في منزله، وفي المساء كان يذهب ليجلس مع أصدقائه من المثقفين في مقهاهم المفضل ‘التريانون’ و’أدونيس’ أحد هؤلاء الأصدقاء كتب أن كفافي كان يقول:
أنا شاعر، مؤرخ.. أحس بداخلي أصواتا تقول لي أن بامكاني كتابة التاريخ ولكن ليس لدي الوقت الكافي.
في يونيو 1932 مرض كفافيس، وشخص مرضه على أنه سرطان في الحنجرة. وأقنعه صديقه المقرب سينوبولوس وأخته ريكا بالذهاب إلى أثينا في يوليو من نفس العام، وهناك أجريت له جراحة ناجحة، ولكنه فقد صوته. وفي أوائل 1933 انتكست حالته ونقل إلى المستشفي اليوناني بالإسكندرية حيث أمضي الشهور الأخيرة من حياته.
‏أيتها الذكرى، إحفظي لي العينين و الوجهَ، كما كانتا و كان.
في لحظات الموت الأخيرة، في 29 ابريل 1933، رسم دائرة على قطعة ورق بيضاء ووضع نقطة في وسطها.
دفن كفافيس في مقبرة الأسرة في مدافن اليونانيين بالإسكندرية.
‏يرقد قلبي مدفونًا – كميت
كم ستعاني روحي هنا؟
أينما توجهت، أينما نظرت
أري خرائب محترقة من حياتي هنا
حيث قضيت زمنًا طويلًا لا أفعل شيئًا
وبفضل الجهد المتواصل الذي قام به الشاعر اليوناني كوستيس موسكون، ضمن نشاط المؤسسة الهيلينية، مع آخرين من محبي شعر كفافي ومؤسسات ثقافية يونانية أخرى، تم تجديد البيت الذي عاش فيه كفافي غ 10 شارع شرم الشيخ، لسبوس سابقا وصار المنزل متحفا ومكتبة تخليدا لذكرى كفافيس.
وفي كتاب الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس لـ طارق إمام :
“يجيد الموت الإعلان عن نفسه، يبعث برسائل من رماد في الهواء، يُطير الشارات” 
علاء عفاش.