“ﻛﻢ ﺭﺍﺋﻊ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻛﻞ
ﺷﻲﺀ ﻓﻴﻪ ﻣﺆﻟﻢ ؟ ! ”

بوريس باسترناك.

اضطُهد باسترناك خلال حياته في روسيا  كما حال كل المثقفين آنذاك وحُوصر تماماً حين رفض عام 1937 التوقيع على رسالة تأييد
للمحاكمات الستالينية معرضاً حياته وحريته للخطر حيث وضعته السلطة الستالينية تحت المراقبة وصورته إنساناً معزولاً عن العالم ذاتياً إلى أبعد الحدود ثم أطلقت عليه لقب “المهاجر الداخلي”، “المرتد”، “الغريب عن الشعب”، و”الخائن”.

حينها قال باسترناك واصفاً حاله:

“العقل مختنق والأفق والأفكار بلون التبغ”.

ولد باسترناك في موسكو ، وكان والده يهوديا وتحول إلى الكنيسة الأرثوذكية ، والذي كان رساماً متميزا وأستاذا في معهد الفنون ، وكانت والدته عازفة بيانو مشهورة تدعى “روزا كوفمان” ،لذلك نشأ في بيئة منفتحة على الثقافات المختلفة ، فكان “سيرجي رحمانينوف” من زوار والده الدائميين ، بالإضافة إلى “ريلكه وليو تولستوي” ، تأثر بوريس بتحول والده إلى المسيحية ، وانعكس ذلك أيضا على أشعاره بوضوح .

أظهرت أشعار بوريس تأثره بأفكار “كانت” ، وأوضحت مدى قدرته على استخدام معاني متباينة من نسيج متميز ، حيث تشابهت في بنائها اللغوي ، ( وهذا النوع من الشعر الروسي معروف ويتشابه مع السجع عند الشعر العربي ، ولكن هذا التشابه يكون في بداية الكلمات ) ، وقام باسترناك باستخدام اللغة اليومية ، وتأثر بمخائيل ليرمنتوف الذي كان شاعره المفضل.

دكتور زيفاكو .. أن تُبحر عكس التيار.
استقر باسترناك وزوجته في قرية صغيرة شملت مجموعة من المثقفين والكتاب قبيل الحرب العالمية بعدة سنوات ، وكان باسترناك محبا للحياة وكان لديه شعرا متفائلا ،وهذا ما عكسه في الشخصية الأساسية لرواية الدكتور جيفاغو ، وقيل أن بطلتها لارا تجسد شخصية عشيقته “أولغا إيفنسكايا” ، ولم يجد باسترناك ناشرا لروايته في الاتحاد السوفيتي نظرا للانتقاد الشيوعي الموجه للنظام الشيوعي ، فقام بالهروب خلال الحدود إلى إيطاليا ، وتم نشرها عام 1957م ونالت شهرة واسعة ايجابية في الغرب وسلبية في الاتحاد السوفيتي .

حُولت رواية دكتور زيفاگو إلى فيلم سينمائي ملحمي دكتور جيفاغو (فيلم) عام 1965 م، من إخراج ديفيد لين، بطولة عمر الشريف وجولي كريستي، وقام موريس جار بتأليف موسيقاه التصويرية. حصد الفلم خمسة جوائز أوسكار، ويعد ثامن أنجح فلم على مستوى شباك التذاكر العالمي، متجاوزاً فيلم تايتانيك عندما تحذف معدلات التضخم وتعدل بشكل نسبي.

كاتب الرفض.

وصف ألبير كامو – في الخطاب الذي ألقاه في حفل استلام جائزة نوبل في الادب لعام 1957 – باسترناك بالشاعر العظيم، وأنه مثال الشجاعة والشرف، وان الفن في بعض البلدان مسألة خطرة وعمل بطولي .

مُنح باسترناك جائزة نوبل للآداب عام 1958م ، ولكنه رفضها مكرهاً تحت ضغوط شعبية وسياسية.

كتب باسترناك رسالة إلى اتحاد الكتاب جاء فيها: “تلقيت دعوتكم وكنت عازما على الحضور، ولكنني عرفت أنه ستكون هناك تظاهرة شنيعة لذا ارفض الحضور، ولن يجبرني اي شيء على رفض شرف ان اكون الفائز بجائزة نوبل، لكنني مستعد ان اتبرع بمبلغ الجائزة الى مجلس السلم العالمي . انني لا اتوقع منكم عدلاً. يمكنكم اعدامي، او ابعادي الى الخارج، او اتخاذ اي اجراء آخر بحقي . ولكن من فضلكم لا تتسرعوا . لأن ذلك لن يضيف اليكم لا سعادةً، ولا مجداً “.

العُزلة المميتة.

توفي باسترناك في 30 مايو 1960م ، وحضر جنازته بعض معجبيه المخلصين فقط. وقبل أيامٍ من موته، ورغم الخيبة التي رافقته لسنواتٍ طويلة
كتب باسترناك :

“ومع ذلك، وعلى بعد خطوةٍ واحدة من القبر ومن الموت، أنا أؤمن بأن القسوة، التسلط، وقوى الظلام ستتحطَّم بمرور الزمن على يدِ نور الروح”.

 

علاء عفاش – سوريا