هل اغتصب دوستويفسكي الفتاة ذات التسعة عشر عاماً في أحد الحمامات؟

كثيرون من سمعوا مقولة الكاتب الروسي “فيودور دوستويفسكي” الخالدة والتي همس بها لزوجته “آنا دوستويفسكايا”:

“لم أخنكِ حتى في الذاكرة”.

كثيرون أيضاً، من تمنوا أن تُقال لهم مثل هذه الكلمة، أو أن يجدوا من يستحقها قولاً وفعلاً. والسيرة الذاتية تُبين أن الكاتب الكبير كان صادقاً في حبه لـزوجته “آنا”، بل واعتبرها تعويضاً له عن كل آلام الحياة.

ولكن الصورة ما زالت منقوصة، إذ يكتفي البعض بهذا القدر دون أن يسأل عن دور “آنا” الذي يجهله. الحب كله -وفي كل القصص عموماً- يكمن في التفاصيل الصغيرة دوماً. وإليكم هذا التفصيل الصغير.

كانت وصية دوستويفسكي الأخيرة لزوجته “آنا” هي:

“عندما أموت يا آنا.. ادفنيني هنا أو أينما تشائين، ولكن تذكري جيداً، لا تدفنيني في مقبرة “فولكوفويه” ضمن مدافن الأدباء، لا أريد الرقود بين أعدائي.. يكفيني أنني عانيت منهم الأمرّين في حياتي”.

لقد كان الكاتب -وهو الذي عانى الفقر والسجن والصرع وموت ابنه- محقّاً تماماً في تشخيص عدوه الأكبر والأخطر:

الكُتّاب وأدباء عصره خصوصاً من الحاقدين عليه. بالعودة لتاريخ الأعمال الأدبية ورأي النقّاد فيها؛ نجد أن المديح كان من نصيب رواية “الفقراء”، حيث كان “دوستويفسكي” شاباً ولم تبرز نجوميته في سماء روسيا، وما إن بدأت عجلة الكاتب في التقدم نحو النجوميّة بخطىً ثابتة، حتى زادت العداوات بمقدار ثابت كذلك، ويكفي أن يضطر أحدهم لمدحه على روايته الشهيرة “الجريمة والعقاب”، فيقول عن “دوستويفسكي”:

“إنه ظاهرة مرَضيّة!”

ولكن، كل هذا يمكن أن يكون له “مسوّغ” أو مبرر ما، نحن نتحدث عن كاتبٍ استثنائي، وواحدٍ ممن شهد له عمالقة الطب النفسي في فهم أعمق الجوانب المظلمة في الإنسان. يبقى الانتقاد والطعن في عمل أدبي والتقليل من أهميته أمراً مقبولاً. في ظل النجاحات المتواصلة، وخصوصاً بعد آخر رواية للكاتب وأشهرها “الإخوة كارامازوف”، كان الحقد على الكاتب الذي أصبح جلياً أنه استفرد إلى حد ما بالساحة الأدبية. كان هذا الحقد قد بلغ منتهاه، و بدأت عملية نبش الماضي.. نبش الماضي؟ نعم، نبش الماضي. والبحث في تاريخ الرجل عما يمكن أن يُستعمل ضده. والفكرة ليست مُستغرَبة إطلاقا، لا على مستوى الساحة الأدبيّة الروسيّة ولا على غيرها. عند فشل البشر في مهاجمة أفكار شخص ما أو الطعن فيها، يبدأ هؤلاء في الالتفات والطعن في الشخص نفسه، و هو ما حدث. إحدى هذه القصص كانت قصة مُختلَقة وكاذبة، حيث ادّعى أحدهم أن هناك اعترافاً قدّمه دوستويفسكي في عدّة أعمال عن أمور حياتية خاصة.. تكلم عن حادثة ترحيله ولحظة النطق عليه بالإعدام في رواية “الأبله”، وتكلم عن مشاق السجن على لسان الراوي في رواية “ذكريات من منزل الأموات”. وتكلم عن جريمة اغتصابه لفتاة في التاسعة عشر من عمرها في عدة مرات خصوصا في رواية “الجريمة والعقاب” عبر شخصية “سفدريجايلوف” الذي يزعم من روج الإشاعة أنها تمثل شخصية دوستويفسكي. لماذا سفدريجايلوف؟ لأن سفدريجايلوف يمثّل أسلوب الخروج السافر ضد المجتمع: الخروج عن المجتمع من خلال تقمص عيوب المجتمع بالذات! المجتمع ظالم.. لأكن ظالما إذن، المجتمع فاسقٌ داعر.. لأكن فاسقاً داعراً، إذن: لا يهمني رأي أحد، لذلك لا يقلقني أن أسلك سلوك لص. ولعل هذا هو الثوب الذي يسهل ارتداؤه أكثر مما يسهل ارتداء أي ثوب آخر في أجوائنا ومناخنا، سيما إذا كان في نفس المرء ميل طبيعي إلى ذلك..

فهو قد أغوى فتاة صغيرة ودفعها للانتحار (سنتذكر هذا مع ستافروجين في الشياطين)، ودفع خادمه للانتحار بسبب الإهانات التي كان يوجهها له (سنتذكر هذا مع ايفان في الاخوة كارامازوف)، وقد حاول سابقاً، وسيحاول مجدداً، إغواء “دونيا” أخت “راسكولنيكوف”. وهو مؤمن على طريقته العبثية بالأروح العائدة، ويتخيل الأبدية على نحو خاص! ملائم جدا للشائعة، ولمرض دوستويفسكي و… لأفكاره. الغريب أنّ من نشر هذه الشائعة قد طبّق فعلاً نصيحة دوستويفسكي الخالدة: “إن الحقيقة الصادقة دائماً تكون غير قابلة أن تُصدٌق، فإن شئت أن تجعل الحقيقة قابلة أن تُصدّق عليك أن تضيف إليها شيئا من الكذب”. وهذا ما كان، فقد ربطت الإشاعة بين أمور معروفة للناس جميعا، بأمر خاص منفّر وغريب عليهم بل وصعب التصديق، لكنه من ناقد كبير! وما أعظم حب الناس للشائعات، وما أشد عشقهم للقيل والقال.. هنا انفتحت صفحة جديدة في تاريخ الكاتب الذي كان قد غادر الحياة، ولو ثبتت هذه الشائعة لبدأت الجماهير الراغبة في القراءة لدوستويفسكي بالتناقص، وحتى بالتلاشي. إذ إن ثبوت قصةٍ كهذه كفيل بأن يهدم كل القيم والأخلاقيات التي دعى لها الرجل، ولو رسخت صورة المغتصب وارتبطت بشخص الكاتب لانتهت أعماله مهما كانت عظيمة.. على الأقل في نظر الكثيرين. في هذه الأثناء، يبرز الدور البطولي لآنا، في الوقوف في وجه عدة جهاتٍ تطعن في زوجها الراحل، و هي التي لم تكن سوى مساعدة إدارية إن صح التعبير، بجانب دورها الزوجي. بدأت “آنا” أولاً في تتبع تاريخ الشائعات والرد عليها وإثبات بطلانها. كان ذلك بإثبات أن هذا الناقد لم يكن يوما مقرباً لدوستويفسكي، ولا لأسرته، ولا يعرف شيئاً عن ماضي زوجها البعيد. كذلك استغلت وجود الكاتب الكبير “إيفان تورغينيف”، وكانت المصادر تقول أن “دوستويفسكي” اتبع نصيحة صديق له بأن يبوح بما يعذبه لشخص يكرهه كنوع من تطهير الروح والاعتراف الكنسي. كان معروفاً للجميع أن “تورغينيف” و “دوستويفسكي” يكره بعضهما بعضاً، ويختلفان في أفكارهما كلياً. وكان “تورغينيف” من النبالة بحيث استجاب لآنا و نفى القصة، فكانت ضربة قوية للشائعة التي أُطلقت على لسان ذلك الناقد الكبير. لم تكتف “آنا” بذلك، إنما راحت تقص علينا ما عاشته مع زوجها في مذكرات وذكريات أعطت للكاتب سحراً خاصاً، فكانت معركة رابحة. قد يقول قائل: إن ما فعلته “آنا” كان بسيطاً وليس ذا قيمة كبيرة، فيكون الرد أن هذا لا يزال محط خلاف كبير.

كان آخر المستجدات كتاب اسمه “عشرة روايات خالدة” لـ “سومرست موم”، تطرق فيها لكم هائل من الجوانب السلبية المنسوبة لدوستويفسكي، رغم أن كتابه كان من المفترض أن يتكلم عن “الإخوة كارامازوف” كعمل خالد. نعم ، لا زال لدوستويفسكي أعداء حتى هذه اللحظة! أمر أخير ربما يجب التنويه له، كان العنوان الأول لهذه المقالة هو : “دوستويفسكي وآنا، حب يثبت نفسه بعد الموت”

لكني غيرته للعنوان في الأعلى عندما تذكرت مقولة دوستويفسكي الرائعة: “إنَّ الإنسانَ يحلو لهُ أن يرى سقوطَ الرجلِ الصالحِ وتلطخَ شرفهِ بالعار”. ليس طعنا في محبي “دوستويفسكي” وذوقهم الرفيع، ولكن لأن النفس البشرية لم تختلف منذ بدء الخليقة حتى هذه اللحظة. لتكن فرصة أن نرى ردود أفعال الناس على عنوان مماثل لحظة إطلاق هذه الشائعة البغيضة.

بقلم: محمود أحمد.

تدقيق: وسام الغاطي.