«لقد رمينا بأنفسنا في شراهة لا حدود لها نحو المستقبل، كي نستبقي لنا شيئاً من الماضي. كانت روابط الأزمنة تنحل. هكذا عشنا المستقبل بكل ثرائه، فكرنا فيه كثيراً، وفيه آمنّا كثيراً، وهكذا لم تبق لنا هنيهة معاصرة تكفي جوعنا. أضعنا الإحساس بالحاضر، نحن الشهود والمشاركون في انعطافات علمية واجتماعية وغيرها كانت من القوة بحيث بدت وكأنها صواعق كارثية، في حين استمرت الحياة اليومية تجرجر أذيالها وراء كل هذا».

هذه الكلمات العميقة كتبها «رومان جاكوبسن» عام 1930، في أعقاب انتحار ماياكوفسكي مباشرة، ويتحدث فيه عن عظمة صديقه الشاعر وسبب رحيله.

ولد مايكوفسكي في 19 يوليو 1893، بدء كتابة المسرحيات والقصائد وهو في عمر صغير، كان يبلغ حوالي خمسة عشر عام، كما كان شغفه للأدب الماركسي حيث أنه شارك في العديد من أنشطة حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، وحُبس ثلاث مرات بسبب أنشطته السياسية. من قصائده المشهورة “غيمة في سروال”، “الناي عاموداً فقيراً” .

أنهى حياته في 14 أبريل عام 1930 وذلك بإطلاق رصاصة على قلبه تاركاً رسالة وداع مليئة بالخيبة قال فيها:

”زورق الحب تحطّم على روتين الحياة اليومية”.

ومن المفارقات الغريبة أن “مايكوفسكي” أدان إقدام “سيرغي يسينين” على الانتحار، لكنه انتحر بالطريقة ذاتها بعد خمس سنوات وكان قد كتب في رسالة انتحاره:

‏”هذه ليست الطّريقة الصحيحة، لكن صِدقًا لم تعُد باليد حيلة.”

في مقطع من قصيدة “غيمة في سروال” تنبأ “مايكوفسكي” في رحيله مبكراً:

“في روحي لا توجد شعرة شائبة واحدة، ولا رقة الشيخوخة‏، صوتي يرعد مجلجلاً في هذا العالم‏، وأمضي جميلاً في الثانية والعشرين‏”

الحياة العاطفية:

بعد نشر “سحابة في سروال” دخل “ماياكوفسكي” في علاقة عاطفية مع “ليليا بريك” زوجة ناشر قصائده “أوسيپ بريك”. وقد كانت تلك العلاقة العاطفية بجوار الحرب العالمية الأولي المؤثر الأبرز على كل أعماله لتلك المرحلة فأتت قصيدة “الحرب والحياة – 1916”.

“لن أرمي بنفسي من أعلى السلّم أو أحتسي السم أو أضع المسدس في رأسي. ولا يمكن لنصلٍ أن يطعنني، لكن نظرتك يمكنها ذلك”.

(ليليشكا). ماياكوفسكي وليليا في يالطا، 1926.

لتبرز خواطره عن الإنسان والحرب وقصيدة “إنسان – 1917” لتجسد مخاوفه العاطفية. بعد رفضه كمتطوعاً في صفوف الجيش إبان الحرب العالمية الأولي، عمل ماياكوفسكي رساماً في القوات السيارة للجيش في پتروجراد (سانت پطرسبورگ حالياً) وهناك شهد الثورة الروسية التي كتب عنها: “إلى اليسار در! من أجل جنود البحرية – 1918” والتي ألقاها في المسارح البحرية أمام جماهير من البحارة. بعد عودته إلي موسكو، قام ماياكوفسكي بنشر أول مجموعة من القصائد بعنوان “الأعمال المجمعة 1919 – 1909” ورسخت تلك الأعمال شعبيته كمناضل مستقبلي يساري وأصبح واحد من الأدباء السوڤييت القلائل المسموح لهم بالسفر.

تعرف ماياكوفسكي علي “إيلي جونز” وارتبط معها في علاقة سرية وأنجبت له ابنته الوحيدة، وفي العام 1928 ارتبط “بتاتيانا ياكوفليفا” وكتب لها قصيدة بعنوان “رسالة إلى تاتيانا ياكوفليفا”. آخر عامين في حياته كانا عامي التمهيد للانتحار، فيهما اصطدم بواقعه الحياتي حيث لا حب له يدوم، وبالواقع الثوري حيث سرق الرأسماليون والمتسلقون والبيروقراطيون الثورة التي أفني فيها ومن أجلها عمره. عبر ماياكوفسكي عن حالة اليأس التي تملكته بأعمال هجائية حادة الأسلوب مثل “البق والحمام – 1929”.

الانتحار:

“مهلاً! أيتها السماء! اخلعي قبعتك! فأنا قادم! بلا صوت، الكون نائم، ومخلبه الضخم يمسك أذناً تنتشر فيها النجوم”.

(سحابة في سروال).

 

بعد فشله في الحياة العاطفية، و”خيانة الثورة” بنظره لتطلعاته وتضحياته، وبعد النقد اللاذع الذي واجهه في الصحافة الأدبية، حوصر الشاعر من كل الجهات، فحاول الرحيل إلى باريس، حيث تقيم حبيبته “تانيا ياكلوفلوفا”، فمنعوه من الخروج بكل الطرق. وعندما عرفت “تانيا” بذلك، تزوجت من “الفيسكونت دوبليه” مما زاد ذلك عذابه وآلامه. عدم السماح له بالسفر أولاً، وثانياً فقدان الحبيبة، وذلك سرّع في يأسه وإحباطه، وأحكموا الطوق حوله، وشددّوا الرقابة أكثر، وأحس أنه محاصر من كل الجهات. فلم يبق أمامه أي مخرج، كما قال في رسالته الأخيرة التي كانت بمثابة وصية، وأنهى حياته بيده في 14 أبريل 1930 عن عمر 37 عاماً، برصاصة في الصدغ. تاركاً ورقة كتب عليها: “إلى الجميع ها أنا ذا أموت الآن، لا تتهموا احداً، ولا تثرثروا، فالميت يكره الثرثرة”. لا يمكن لقراء ماياكوفسكي، والعارفين ببركان رفضه -أعداء وأصدقاء على حد سواء- أن يفصلوا وجهه عن أشلاء صيحته البكر:

“فليسقط حبكم.. فليسقط فنكم.. فليسقط نظامكم.”

آخر وصايا وكلمات مايكوفسكي قبل اقدامه على الأنتحار كانت :

إلى الجميع،
لا تتهموا أحداً في موتي، وأرجو أن لا تنمّوا. فالراحل لم يكن يطيق ذلك.
ماما، أخواتي ورفاقي، سامحوني ـ هذه ليست الطريقة الصحيحة (و لا أنصح غيري بها)، ولكن لم يبق باليد حيلة.
ليلا ـ أحبيني.
أيها الرفيق ـ الحكومة: عائلتي هي ليلا بريك، ماما، أخواتي وفيرونيكا فيلتودوفنا بولونسكايا (1).
إذا دبّرت لهم حياة مقبولة ـ فشكراً.
اعطوا هذه القصيدة التي ابتدأتُها إلى آل بريك، وهم سيفهمون.

كما يُقال – « trop poivre (2)»،
وقارب الحب تحطم على صخرة الحياة.
لقد تحاسبت مع الدنيا
ولا فائدة من تعداد
الآلام المتبادلة،
المصائب
والإهانات.

أتمنى لكم السعادة في البقاء.
فلاديمير مايكوفسكي. 12 نيسان 1930».

بالطريقة نفسها ـ الانتحار، وإن يكن بواسطة المسدس وليس عن طريق الشنق كما هو الحال عند يسينين ـ اختتم حياته أحد رموز حركة الحداثة الشعرية في روسيا وأحد مؤسسي تيار المستقبلية في الشعر الروسي، المبشر بالثورة الروسية وحامل لواءها. نعم. هكذا أنهى فلاديمير مايكوفسكي مسيرة صاخبة ومثيرة من الإبداع؛

 

بقلم: علاء عفاش

تدقيق: وسام الغاطي.