لا أحد يستطيع أن يُنكر أهمية دور النشر في اكتشاف المواهب الأدبية والعقليات الفذة، البعض ترك لنا إرثًا عريقًا في الأدب، و الآخر كان بمثابة الصوت الحقيقي لشعبه مُعبرًا عن آرائهم المختلفة من خلال الصحف والمجلات..

وتلك كانت الطريقة الوحيدة التي يُدلى من خلالها صوت الشعب ومواهبه الفنية الأدبية كالشعر وكتابة المقالات والقصص القصيرة وغيرها.. نعرف الآن أنه علاوة على الصحف والمجلات، توجد طرق أخرى تتسلل من خلالها المواهب الأدبية، كمنصات السوشيال ميديا بأشكالها المتعددة.

في هذا الزمن.. نحن نتمتع بهذا، فيمكنك بحركة بسيطة جدًا نشر موهبتك على مواقع التواصل الاجتماعية، وإذا كنت تملك موهبة فريدة فعلًا و عدد لا بأس به من المتابعين، تصبح كاتبًا أو فنانًا. أما يا تُرى ماذا كان مصير المواهب الأدبية المُبتدئة قديمًا!، فماذا عن الذي كان يملك موهبة أدبية وصاحب قلم رائع، لم يعترف به الناشرون ولم تكترث له دور النشر؟ هُنا.. سنُسلط الضوء على المنطقة العربية تحديدًا، فمن مِنا لا يعرف الكاتب الراحل يوسف السباعي ومساهماته الأدبية التي من شدة نجاحها تحول جزء كبير منها لأفلام سينمائية مشهورة، أشهرها رواية وفيلم “أرض النفاق”. ولكن معظمنا يجهل دوره في مد يد العون لصاحبي المواهب الأدبية العربية المغمورة، فهو أسّس مجلة تُسمى الزهور وجعلها كمُلحق ثقافي لمجلة الهلال المصرية المعروفة وذلك في عام ١٩٧٣م، أي قبل حوالي خمسين سنة تقريبًا.

والجدير بالذكر أن السباعي وقتها كان رئيسًا لمجلس إدارة “دار الهلال” ورئيسًا للتحرير. كان هدف يوسف السباعي الأساسي في هذه المجلة إتاحة الفرصة للأدباء الشبان الذين يبحثون عن مكان لهم في الحركة الثقافية؛ لنشر أعمالهم، أولئك الذين لم ترقَ أعمالهم للنشر في المجلة الأساسية “الهلال”، ولكن بكل أسفٍ اُغتيل السباعي عام ١٩٧٨ فلم تستمر المجلة طويلًا. في مكانٍ آخر، وفي عالم موازٍ مجلدات تلك المجلة قد لا تكون صالحة للبيع في عين بائعي الكتب أو أنها قد تُباع بأرخص ثمن..

في كلتا الحالتين أظن أن قيمتها الحقيقية تكمُن في عين صاحبها ليس إلا.. على الرغم من أن تلك المجلة، التي كانت تنشر للمبتدئين كانت أول من يُقدم فاروق جويدة كشاعر.. فقد نُشر فيها جزء من ديوانه الأول “أوراق من حديقة أكتوبر”، ولولاها لم نكن لنتمتع بديوان “في عينيكِ عنواني” و “لا ترحلي حبيبتي” والكثير.. الكثير من قصائده الرائعة وكتاباته المُوثرة اليوم.

على أيّ حال يبدو لي أن أولئك الشبان الصغار الذين لم ترقَ أعمالهم للنشر في ذلك الحين، هم اليوم ممن تركوا لنا إرثًا لا يُستهان به، هم الأسماء التي نسمعها ونعرف أنهم ذات مكانة عظيمة، وإن لم نقرأ لهم في بداياتهم مرة.

بقلم: سارة مصطفى

تدقيق: وسام الغاطي.