وقفة، ما بين تسليم “تولستوي” و ثورة “دوستويفسكي”

هناك قصة قصيرة للكونت “ليو تولستوي”، اسمها (علامَ يعيش الإنسان؟)، يقص فيها تولستوي حكايةَ مَلاك عصى ربه في أمر، حيث أمره الله أن يقبض روح والدة لطفلتين يتيمتين، مات والدهما قبل أسبوع من إنجابِهما، ولم يتعدّ عمرهما أسبوعين تقريبا، فأشفق المَلك على الأم ولم يقبض روحها، وبذلك عصى ربه.
دخلت عاطفة الرحمة قلب المَلك، فقال: “يا رب كيف؟! قد قبضنا نفس أبيهما مؤخراً، فلمن يبقيان؟! لا لا لن أفعل..”

وكان جزاء عصيانه، أن أخذ الله جناحيه، وأنزلَه إلى الأرضِ؛ ليعيش كالبشرِ؛ وليعرف ثلاثةَ أمور، فإن عرفَها عادَ إلى الملكوت السماوي، وإن لم يعرفها فلن يرجع إليه، وكانت هذه الأمور الثلاثة:
– أن يعرف ما الذي يسكن الإنسانَ
– ما الذي لم يُعطَ للإنسانِ
– علامَ يعيش الإنسان.

ونزل هذا الملاك بارداً لا ثياب عليه، مختبئاً خلف كنيسة، إلى أن وجده صانع أحذية تعيس اسمه “سايمون” أرسلته زوجته لإحضار الديون من الناس وجلبِ معطف لهما بدلا من المعطف القديمِ المهترئ، فلم يعطه أحد حقَّه، سوى واحد أعطاه 20 كوبكا فقط.

اقترب “سايمون” من الملاك الذي سُمّي في القصةِ “ميخائيل”، واسم ميخائيل دارجٌ ومتداول في المجتمع الروسي، ألبسه بعض الثياب التي كان يرتديها حتى يدفأ، وعادَ لزوجتِه، وبدلا من إحضار معطفٍ جديد، جاء برجل غريبٍ!

تتابعت أحداث القصة، وعرف الملاك ما الذي يسكن الإنسانَ بعدَ معاملةِ زوجةِ سايمون “ماتريونا”.

فعثر المَلَك على جواب السؤال الأول.

*الذي مُنحه الإنسان هو القدرة على حب الآخرين، وهو أعظم ما مُنح، بلا حب كلنا نفقد المعنى وسنضيع في هذه الحياة.*

بعد فترة اتصل حبل هذا المَلَك “المؤنسَن” بحبل رجلٍ كفور فخور مكابر معجب بنفسه وبثروته حدَّ العَتَه، يأتيه السائلون فيردُّ أكثرهم بلا نوال، ويعطي أقلهم العطاء القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
لاحظ المَلَك هذا العطاء المخذول المحقور، وفي يوم من الأيام بعث هذا الغني إلى مجموعةٍ من الحذّائين يريد اقتناء زوجٍ من الأحذية الجلدية التي لم يُرَ مثلها في البلاد! ووقع الاختيار على أحدهم ليتفنن في جلب أفخر الأنواع، حتى إذا جاء ذلك اليوم وأتى الصانع المختار بالنعليْن الجلدييْن الفاخريْن، تفاجأ المَلَك أنّ الرب قد عاجل الغني الفخور فقبضه ولم يلبسهما.

في الأخير الحياة لا تساوي نعليْن!

فتبيّن له جواب السؤال الثاني.

*الذي مُنعه الإنسان هو لياقة وحكمة تحديد أهدافه وغاياته الحقيقية من الحياة!*

*لماذا تعيش؟ وهل يستحق الهدف الذي اخترته كل ما في هذه الحياة من ألم وتعب ومشقة؟*

وقبل أن يكتشف جواب السؤال الثالث، كان يتفكر بذلك اليوم، يوم هبوطه من الملكوت..

“لمّا هبطتُ مؤنْسَناً بلا جناحين، لا خبرة لي ولا مهارة في كيفية كسب رزقي وستر عورتي.. أتيتُ عالَما لا أستطيع أن أتصرف فيه، فلولا أن قيّض الله لي من ذلكم الإسكاف الرفيق الشفوق لهلكت!”

إذاً، ما نعيش عليه ونحيا به وما يجعل لحياتنا معنىً هو مساعدة الآخرين، وإلا ستضيع الحياة كلّها..

وهنا اكتشف المَلَك حكمة الرب التي كان جهله بها سبباً في إبعاده عن الملكوت. غلبته الرحمة والعواطف فلم يوافق على قبض تلك النفس لأم اليتيمتين كي لا يظلا بلا عائل، ولكنّه الآن فهم أنّ اليتيمتان الصغيرتان قد قيّض حتماً لهما الرب آدميّاً من بني آدم –الذين ملأتْ المحبة والرحمة قلوبهم– من يعيش لأجلهم ويخدمهم ومن يعنى بهم.

فقال: لم أفهم هذا، ولكنّه حصل لي أنا، وأنا كبيرٌ لستُ طفلاً صغيراً يتيماً، ومع ذلك وجدت من أعتنى بي.

هذه هي الدراما البشرية، يسوقها لنا العظيم تولستوي بمقاربة السؤال السرمدي:
*ما الذي يمعنن الحياة (يجعل لها معنى)؟ ما الذي يجعل هذه الحياة جديرةً بأن تُحيا وتُعاش؟!*

اختلفت الفلسفات وتضاربت في إجابة هذا السؤال، من المال والملذات الحسيّة والشهوات، كلها كانت إحدى الإجابات يوماً ما..
لكن ما هو ذلك الشيء في حقيقة الأمر؟
ما الذي يعطينا المغزى ويعزينا به دائماً؟

في رواية الإخوة كارامازوف، يعطي دوستويفسكي صورةً عمن يرفض هذه الحقائق ويقدمها بصورة جلية في شخصية “إيفان كارامازوف” الذي قال:

*”إنني لا أقبلُ العالم َعلى نحوِ ما خلقهُ الله، ولا أستطيع الموافقة على قبولهِ رغمَ علمي بوجوده. لستُ أرفض الله… افهمني جيداً… إنما أنا أرفضُ العالمَ الذي خلقهُ ولا أستطيعُ الموافقةَ على قَبوله”.*

كثيرون هم، من دفعهم عدم الفهم أو عدم القناعة بطرق الله وسننه في هذا الكون إلى الإلحاد، وإلى رفض فكرة الله وقوانينه.

فهل وضعوا أنفسهم مكان الملاك، وأجابوا عن باقي الأسئلة؟ تلك قصة أخرى.

نقطة أخيرة، نستطيع -دون أدنى مشقة- أن نفهم ما يرمي إليه تولستوي، أن الله يستخدم عباده -سواء العادل منهم أو الظالم- ليثبت ذاته وعدله ورحمته. لكن بلا شك إن تشوّهت صورة الله في النفوس فالمؤمن هو المُلام وهو من يتحمل الذنب.

تخيل لو أن الملاك لم يجد من يساعده..

رباه كم نحن بحاجة لمن يُحيون صورة محبة الإله في النفوس!

جديرٌ بالذكر أن دوستويفسكي أيضاً، في سجنه وبعد مخالطة السجناء وملاحظة الأثر الطيب للمعاملة الجميلة لهم من قبل إدارة السجن، كان يصرخ و يقول:

“رباه! ألا إنّ باستطاعة المعاملة الإنسانية أن تنقذ من الهوة حتى ذلك الذي اختفت من نفسه صورة الله منذ زمن بعيد.”

ولكلٍ قناعاته.

بقلم: محمود أحمد
تدقيق: وسام الغاطي.