كتبت ختام غبش.
أكثر ما يخيف الأحياء الشعبية هو فقدانها الفوضى والضجيج، تقبع مراسمهما في كل زقاق من أزقتها المتشعبة، تختفي حكاياتها وتموت أبوابها المشرّعة عند الاغلاق، برداية قماشية ملوّنة هي من يبني فاصلاً بين الخارج والداخل، سكة معدنية رفيعة بمقدار درفتي الباب كانت تحمل ألوان الورود والأعشاب المزركشة خافية مشهد الاسمنت الخادش خارجاً, على جانبي القماش المورّد توضع أسطل الزريعة والورود, وتسكن زوايا الدرجات جرار فخارية مملوءة بالنباتات التي تتقن فعل التمدد والدلال, أسقفها كذلك كانت تنبت أرجوحة لنا تجاور أوعية خفيفة يتفرع منها أوراق رفيعة تنمو سوية مع خصلات شعرنا. لأطفال حاراتها قدرة خارقة في الاختباء يتنافسون مع الليل، يكسبون النزال ويشترطون لذلك اخفاءه في علبهم البلاستيكية منعاً من قدومه الباكر, واعداً إياهم بألا يسلبهم لعبة الاختباء والمشاجرات التي تملأ ثلاثة أرباع جيوبهم المهترئة.
هنا تكون المصطبة (الحفة) أكثر الرموز المعمارية انتشاراً. استطاعت جارتنا أم محمد أن تبني واحدة بطول 6 أمتار كي تتسع لكل النسوة في ليالي الصيف الحارة، الشاي والحلوى وكل ما يمكن مشاركته كانت هي مركزه، وكذلك الأمر بالنسبة لنا نحن صغار هذه الحارات فهي محطتنا الأولى عقب استيقاظنا وآخر رحلة لنا قبل سماعنا لأصوات الأمهات وهي تؤنبنا على بقائنا الطويل خارجاً. آذان المغرب كان موعد انتهاء حفلة اللعب خارجاً، تنتهي جلبة الأولاد وضجيجهم عند رفعه، ميعاده كان نذير شؤم لنا جميعاً.
المصطبة نفسها التي بنتها الخالة أم محمد “الرحمة لروحها” هدّمها أبناؤها عقب وفاتها لأنهم لم يعودوا بالقادرين على احتواء كل ذاك الصخب الذي سببته لهم.
في العام 2012 من حزيران تعرّض حينا لهجمة شرسة على إثرها هرعت غالبية العائلات نحو قراها القصية بعيداً، لا زلت أحتفظ بأصوات تلك الوداعات الخفية بين البوابات وأصحابها، كان هناك تفويض مطلق تسري بنوده بين الأقفال والأيدي الفارغة التي تركت دورها وديعة للأبواب الموصدة ولكنها في قرارة نفسها كانت تعلم أنّ لا فائدة من كل ذلك، أنه الوداع الأخير ليس إلا.
اليوم أكثرما يثير الرعب في نفسي هو الجدران الشاهدة على الموت، أتخيلها ليلاً وهي تحفر عميقاً تبحث عن جسد أحدهم تحت واحد من مداميكها، أو أراها تارة تنزع درجات بيت أحدهم لتضعه وسيطاً بينها وبين أحد الأسطح باحثة عن وجهة أصحابها. الليل والنهار في هذه البقاع المهدّمة سواسية، لا أقوى على زيارة تلك الأماكن التي بقيت جدرانها وحيدة عقب تهجير أصحابها، أهرب من الجدران والأبواب لأنني أكثر ما انتمي إليه مقرون بهما.
اليوم وأنا أتجول على سطح دارنا أشتمُّ رائحة تلك السنوات المفزعة، الفرق بينهما الحرية التي تطير بها أسراب الطيور. بينما الجدران تقف وحيدة مع أبواب ميتة قتلت قطع قماشها الموردة بالألوان والزهور منذ زمن بعيد. يُرفع آذان المغرب على غير العادة بصوت “عبد الباسط عبد الصمد”.
نسمة باردة تهمس لي: “لازلت تحيين”.