سماح صلاح

فيروس جديد يصيب سكان مدينة وهان الصينية، منظمة الصحة العالمية توصي باتخاذ إجراءات الوقاية وأهمها غسل اليدين وتعقيم الاسطح، الخطورة الأكبر يواجهها أصحاب المناعة الضعيفة والمصابون بالأمراض المزمنة، دول العالم تجلي رعاياها من الصين ،ينتقل الفيروس من الخفاش الى حيوان آكل النمل الحرشفي ومنه إلى الإنسان.

تقع عينيه على الأخبار بشكل عشوائي،  لا يقرأ الموضوعات كاملة، ينظر الى تاريخ الصحيفة، مر عليه شهر كامل، أصبح الوضع الآن أسوأ حيث انتشر المرض في جميع أنحاء الكرة الأرضية تقريباً، معظم الدول فرضت حظر التجول  على المواطنين  وبعضهم اكتفى بالتحذير أنه لا داعي للخروج من المنازل إلا للضرورة القصوى، كأنما أصبح العالم كله بين ليلة وضحاها يشترك في حجر صحي يشمل كل أنحاءه ولا يستثني أحدا، ألقى الجريدة جانبا ثم نظر الى  أكوام  الأوراق والكتب فوق مكتبه، تصفح قائمة أعمال الشهر، ثم حدثته نفسه:

من المفترض أن يتمخض هذا الحجر الصحي عن عدد من الكتب المقروءة وعدد أكبر من المقالات المكتوبة،من المفترض أن أنجز في هذا الشهر ضعف ما انجزه فيما سواه، كنت أحلم  بيويمن فقط من التفرغ التام  داخل هذه الغرفة ، أقرأ خلالهما ما يحلو لى وأكتب الافكار المؤجلة، أن أجد الوقت الكافي لممارسة هوايتي الأثيرة بعيداً عن ضغوط الوظيفة ،أما الآن فهذه أربعة عشر يوماً كاملة فرضت فيها الدولة على المواطنين المكوث في منازلهم للحد من  انتشار الفيروس.

كان يظن أن العزلة تجعله قادرا على الخلق والإبداع، ولكن من أين يأتي هذا الإبداع وكل ما يشعر به هو الخوف، ليس على نفسه، ولكن على ذويه، على أحباءه وأهله، يهلع من مجرد فكرة ان يحمل هذه الجرثومة اللعينة، وينقلها إلى من حوله، وهو لا يعرف من الأساس أنه يحملها، يمكن أن تميته الفكرة حتى إذا نجا من الفيروس، هذا الشئ الذى لا يُرى بالعين المجردة ولا يمكن أن يشعر به الإنسان وهو يعيش داخل جسده إلا بمرور أيام طويلة، يقبل أبناءه ويحتضنهم ليطئنهم ويطمئن، يختبئ بين ذراعي زوجته من ذلك العدو غير المرئي، يقبل يد أبويه صباح مساء طالبا منهم الدعاء لأنه على يقين تام أنهم إلى الله أقرب، ثم ما إن يضع رأسه على وسادته _المعقمة_ ليلا حتى يسترجع كل هذه الممارسات، وتختلط بها الأخبار والأعداد وصور المصابين ودموع ذويهم  تختلط خيالاته  بصورة لوحش ضخم،يركض وراءه لا يعرف هل يريد أن يلتهمه ام يريد أن يمسك به ليسحقه بين أصابعه أنم انه لا يراه أصلا لفرط ضخامتة ولفرط ضآلة هذا الإنسان في مواجهته!  يفيق من نومه لا يدري هل نام حقا ام انها كانت ساعات متواصلة من الهواجس المرعبة، ثم يهرع إلى حمّامه، ليغسل يديه عشرات المرات وكذلك وجهه وأسنانه، ويمشي في بيته الذى كان آمنا بالأمس ليحارب عدوه الضئيل برذاذ المياة مع المنظف أو المطهر أو أي شيء أوصت به منظمة الصحة العالمية وأكدت أنه فعال لتدمير الفيروس، ثم يكتفي بالإشارة و الإيماءة والإبتسامة في وجه كل من تُشعره لمساتهم بالأمان..يخاف ان يحك أنفه أو يفرك عينه أو يلمس وجهه بشكل  تلقائي ؛ لأن كل هذا يعد فرصة لأن تنفذ العدوى من يده الى داخل جسمه عبر أنفه أو فمه أو عينيه، كل شئ بات غير عادي، كيف يعقل أن يُحرم على الإنسان أن يلمس جزء من جسده؟!

إذا اضطر إلى ترك بيته لأي سبب فإنه يمضي في طريقه متوجساً من نفسه ومن كل شئ، يرى في وجوه كل المارة ملامح آسيوية يرافق كل منهم خفاش، هذا الرجل يعلق الخفاش في ذراعه بشكل عكسي كما يراه في برنامج عالم الحيوان معلقٌ من قدميه في فرع شجرة أو أي نتوء في كهف يحتله هو ورفاقه من أهل الظلام ، أما تلك المرأة ذات الشعر الأسود الناعم جدا وكأنه مصبوب حول وجهها صباً،والذي لا يتجاوز طوله منتصف رقبتها، يلازمها خفاش يبسط جناحيه فوق رأسها كأنما يظلها الشمس!

يسمع صوت سعال العامل الذي يشارك في بناء الطابق العاشر من البناية القريبة من بيته، عطس السيدة التي تفترش جزءا من الرصيف، لتبيع الخَضروات الورقية، على بعد مائة متر منه! حشرجة صدر زميله في العمل والذي كان يشاركه طبق الفطور في كل صباح، تحدثه نفسه ربما أصيب وهو لا يعرف، يرى على صدره بقعة خضراء  تشبه العفن تتسع بسرعة فوق قطعة القماش  التي تغطي قفصه الصدري بالكامل، ثم يتخيل سلسلة لا نهائية من العدوى التي سوف يتسبب فيها في طريقه إلى بيته، ثم ما سوف يتسبب فيه لأهله، ويتخيل جنازته تمضي وحيدة، لا يحمله أحد ولا يصلي أحد عليه ولا تلقِ زوجته نظرة وداع أخيرة على وجهه ثم يفيق على صوت زميله: نحن هنا، مش هتفطر معايا ؟! فيجيبه بالنفي لأول مرة منذ عملا معاً!

ينعزل تدريجياً وبشكل آلي عن ذويه وأصدقائه وأبويه وزوجته وأبنائه لأنه حريص عليهم جميعاً، حرصه على نفسه يأتي في المرتبة الأخيرة، خوفه على نفسه ليس خوفاً من الموت ولكنه خوف من ألا يودعه أحد!

تحدثه نفسه: كيف إذن يُنتظر منا أن ننتج أعمالا إبداعية من داخل العزل الذاتي؟! العزل الذي نوضع فيه مع الخوف والقلق وجهاً لوجه، العزل الذي نغترب فيه عن من نحب وعن أنفسنا طواعية دون أغلال أو قيود مرئية، جميعها معنوي، لا يرى بالعين ولا يمكن وضعه تحت المجهر!

في الحبس الإنفرداي ينتظر الإنسان الحرية ويعيش بالأمل حتى ينالها أو يموت في محبسه، الخطر المحدق في حالة العزل هو خوف من أن يقضي الوهمُ على الإنسان دون أن يأمل في التحرر منه.. تلازمه وساوسه طوال حياته، يتوجس ممن حوله وما حوله، لأن العالم وقد تحول إلى قرية صغيرة، انتقل فيه كل شيء بشكل أسهل وبسلاسة أكبر وكان للأوبئة نصيب من هذا الانفتاح ، أما الآن فإن هذا العالم بصدد أن يتحول إلى جزر منعزلة؛ كل منها يغلق حدوده ويحاول أن يحاصر عدواً لا يراه بعد أن تسلل ذلك الضئيل واحتل أرضه خفية؛ لم يفرِّق في انتشاره بين دول عالم أول أو ثالث، بين شمولية وديموقراطية، بين أبيض أو أسود، فقير أو غني، يستهدف فقط رئتي إنسان حي، يستوطن فيهما ويستعمرهما تماماً، فإن استسلمتا وكفلتا له الحياة؛ قدم لهما هو الموت المحقق.

كان منهك تماماً،يكاد يسقط مغشياً عليه من فرط الإرهاق ومن فرط التفكير، جلس على كرسيه الأثير وأدار التلفاز، كان عازفاً عن رؤية المزيد من الأخبار، يكفيه  شريط الأخبار الذي يدور في رأسه بلا توقف، اختار محطة متخصصة في عرض الأفلام الوثائقية، كانت تعرض فيلماً وثائقياً عن حيوان آكل النمل الحرشفي، أين يعيش ومن أي السلالات ينحدر، وعلامَ يتغذى، تابعه باهتمام.. ثم رأى أعدادا مهولة من ذلك الكائن الغريب تجوب شوارع المدينة في مسيرات منظمة، و رأى متاجرَ كُتب على لافتاتها، هنا نبيع النمل، كانت تلك المسيرات تتوقف عند تلك المحال، تلتهم كل ما فيها وتمضي.