لا أعرف كم مرة قرأت ملحمة الحرافيش.هذه المرة لم أكن أعيد القراءة إلا طمعاً في فك الرمز. لم يكن للأنبياء وجود هنا ولا للأئمة مثلما تخيل البعض. كلمة ملحمة ذاتها هي أقرب للميثولوجيا. وما قصص الملحمة إلا شبيهة بقصص الميثولوجيا. وهي ليست بعيدة عن القصص الدينية فكثير من قصصها مستوحاة من القصص الدينية.

عاشور الناجي:

 ربما يرمز لمرحلة الخلق . وهي رمزية لو صحت فهي تميل لفكرة بروميثيوس وهو من كان من العمالقة التايتن والوحيد الذي نجا من عقاب زيوس وعهد إليه بخلق البشر. أحب بروميثيوس البشر وسرق لهم شعلة النارمن الأوليمب(عاشور يسرق البنان ويعطي الفقراء) التي جلبت لهم الحضارة فعوقب بربط بصخرة في القوقاز وأن يأكل الرخ من كبده حتى حرره هرقل.

شمس الدين: ربما يمثل شمس الدين قصة البشر من أنصاف الآلهه(مثل هرقل وجلجامش) نصف عاشور ونصف فلة. الذي يملك قوة الأب بجسد أقرب للأم .يتطلع لأبيه ولم يطمع يوماً في العز مثل عاشور. فهو مثالي أكثر من عاشور ذاته رغم سورات جنونه. يظل على قوته وعنفوانه حتى يموت فجأة.

يتضاءل عاشور داخل أحفاده مع ظهور بشيء من صفاته فجأة في بعض الأحفاد مثل زهيرة (أفروديت) جلال(أخيل) سماحة(أوديسيوس) لكن فجأة أجد القصص الديني يعود في قصتي فتح الباب وعاشور. في حكايات أقرب للمسيح والمهدي المنتظر.

لا أحد سيعرف حقاً ماذا كان يدور في ذهن محفوظ وهو يكتب لذلك  تركت نفسي مع عذوبة الحكاية وأناشيد التكية المأخوذة من غزليات حافظ الشيرازي:

عاشور الناجي

” في ظلمة الفجر العاشقة،في الممر العابر بين الموت والحياة، على مرأى من النجوم الساهرة، على مسمع من الأناشيد البهيجة الغامضة، طرحت مناجاة متجسدة للمعاناة والمسرات الموعودة لحارتنا.”

” شعر بأن الخلاء يلتهم الأشياء، وأنه يود أن يتسلق شعاع الشمس، أو يذوب في قطرة الندى، أو يمتطي الريح المزمجرة في القبو، ولكن صوتا صاعدا من صميم قلبه قال له أنه عندما يحل الخلاء بالأرض فإنها تمتلئ بدفقات الرحمن ذي الجلال.”

مضى في الممر حتى بلغ ساحة التكية. بدا لعينيه القبو مظلماً، وترامت أشباح أشجار التوت من فوق الأسوار. تصاعدت الأناشيد بغموضها فصمم على طرح الهم جانباً وقال لنفسه:

  • لا تحزن يا عاشور فلك في الدنيا أخوة ليس لعددهم حصر:

ومضى تلاحقه الأناشيد.

 ای فروغ ماه حـسـن از روی رخـشان شـما
  آب روی خوبی از چاه زنـخدان شـما
البدر الساطع يعكس من وجهك المضئ الأنوار
من جبال الثلج في وجنتيك ينبع ماء الأنهار

ومضى درويش نحو القبو صامتاً على حين تهادى من التكية صوت عذب ينشد:

ز گریه مردم چشمم نشسته در خون است

بكيت حتى صارت عيني كأسي دم

هاجر عاشور في الفجر. وتحركت به الكارو نحو القبو كما تفعل في مواسم القرافة. تربعت فوق سطحها المترجرج فلة محتضنة شمس الدين.لما خلصت العربة إلى الساحة استقبلتها تراتيل آخر الليل وهي تشدو:

جز آستان توام در جهان پناهی نیست

سر مرا به جز این در حواله گاهی نیست

احفظ هذا البيت فأنا بلا مأوى في هذا العالم

احفظ هذا الباب فأنا بلا بيت في هذا العالم.

شمس الدين الناجي

عندما تستحكم القبضة ولا يوجد منفذ واحد للأمل، تؤمن القلوب القانطة بالمعجزة .

تنساب عربة مكللة  بالزهور والحياء.صلصلة عجلاتها المدوية لا يسمعها أحد. الأذن لا تسمع إلا ما ترغب في سماعه. يتوهم الفحل أنه اقترن بالدنيا قران دوام. ولكن العربة لا تتوقف والدنيا زوج خئون.

لأول مرة يتساءل عما فات و عما هو آت ، و يتذكر الأموات ، و يتذكر الأولياء الذين عمروا ألف عام ، و الخراب الذي يعبث بالأقوياء ، وأن الغدر ليس وقفا على ضعف النفس و الرجال . و أن هدم زفة مسلحة أيسر ألف مرة من صد ثانية بما لا يقال ، و أن البيت يجدد و الخرابة تعمر لا الإنسان ، و أن الطرب طلاء قصير الأجل فوق موال الفراق .
و طوق رأسه باللاثة و سألها :
– أتدرين ما هو الدعاء ؟
فلما لم تجبه قال : 
– أن يسبق الأجل خور الرجال ! 

في نهاية عمر شمس الدين يسمع أصوات التكية :

صلاح کار کجا و من خراب کجا

ببین تفاوت ره کز کجاست تا به کجا

أين الصلاح والخراب يأتي من أين

انظر ترى الاختلاف من أين وإلى أين.

الحب والقضبان

من يحمل الماضي تتعثر خطاه

لو أن شيئاً يمكن أن يدوم على حال فلم تتعاقب الفصول؟

المطارد

في تلك الليلة سهر خضر في الساحة أمام التكية. دفن قلقه ومخاوفه  في الظلمة المباركة. رفع عينيه إلى النجوم الساهرة طويلاً. رنا بإجلال إلى شبح السورالعتيق. ابتهل إلى بوابة التكية الشامخة. تأمل ممرالفناء بأسى. حيا أشباح أشجار التوت.تذكر بوجود الثاوين في القبور والضائعين في المجهول. والعواطف المشبوبة التي لم تنهل من رحيق الحياة. الآمال التي تلاشت في الأبدية. الأحلام المنطبقة من وهدة السكون مثل الشهب. العرش الهائم فوق كافة احتمالات الخير والشر. وتساءل:

  • ماذا يخبئ الغد؟ لم اختص عاشور وحده بالرؤبا الهادية.

وانتبه إلى الأنغام وهي تصعد مثل الهداهد هاتفة:

آنان که خاک را به نظر کیمیا کنند

آیا بود که گوشه چشمی به ما کنند

هؤلاء من يحولون الرصاص إلى ذهب

هلا يخبروننا عن بصرنا أين ذهب

ها هو يلبد  في ظلمة الممر بين السورالعتيق وسور التكية. هنا، منذ أجيال ، ألقس بعاشور، بلا اسم ولا شكل، في لفافة. هنا انهمرت فوقه الأناشيد بلا وعي منه. هنا امتدت إليه يدالرحمة تنتشله من الضياع. ها هي الأناشيد تتسلق أمواج الظلام:

در این زمانه رفیقی که خالی از خلل است

صراحی می ناب و سفینه غزل است

في زمن الأطماع يوجد صديق بلا عيب ملئ  بالمرح

هو كأس النبيذ النقي وكتاب الأغاني المقدسة والفرح

في طريقه إلى الاختفاء وقف في الساحة أمام التكية. ها هو يمتلئ برلئحة الحارة وأنفاسها، ولكن أين النشوة؟ كم حلم بهذه الوقفة كمنطلق لدفقة جديدة من الحياة. تؤدب الأوغاد وتبعث روح العهد.ما الليلة إلا بدء رحلة طويلة جديدة في دنيا العذاب والمطاردة. سيرجع إذا رجع شيخاً بلا حول.

ومضى نحو الممر والأصوات تترنم في جلال الليل:

درد ما را نیست درمان الغیاث

هجر ما را نیست پایان الغیاث

لأجل ألمنا لا يوجد شفاء إلاالعدل

لأجل غربتنا لا يوجد شفاء إلا العدل.

قرة عيني

وحمل الطفل في لفافته ومضى به ليلًا إلى ساحة التكية. استقبل فيض الأناشيد في أوله. دعا الله أن يجعل من الصغير غصناً في دوحة البطولة والخير.أن تتجسد فيه الأحلام المقدسة لا الأهواء الجامحة الشريرة. وسرح فكره إلى الممر الضيق حيث ترك عاشور في مثل سن ابنه. وكما تعبر سحابة وجه القمر فتحجب نوره اقتحمه خاطر مظلم. تذكر ما يتقول به الأعداء عن عاشور وأصله. غشيته كآبة عفنة. لاذ بالأناشيد ليغتسل من عرقها الحامض. وغمغم (اللهم هبني القوة)

انغمس في الأنغام تماماً وهي تردد:

نقدها را بود آیا که عیاری گیرند

تا همه صومعه داران پی کاری گیرند

لآلئ القلب تمر باختبار القدر و المصير

وبعد أن يتم العمل فإلى العبادة المصير

نام سماحة بقية النهار كله. وسهر الليل في ساحة التكية. عرفها هذه المرة عن طريق الأذن والأنف واللمس. ودعا بقوة الخيال صورة التكية والتوت والسور العتيق. وراح يملأ قلبه بالأنغام في ارتياح وغبطة.

وبسط راحتيه وقال:

  • حمداً لله الذي شاءت إرادته أن أدفن إلى جوار شمس الدين. حمداً لله الذي أذنت رحمته للعدل أن يظل في حارتنا، حمداً لله الذي أورث ابني خير إرث للإنسان الخير والقوة,

وجرى شكره في ظل نشيد يترنم:

هر آن کـه جانب اهل خدا نـگـه دارد 
خداش در همـه حال از بلا نـگـه دارد 

هو، من يضع كل ثقته في الواحد الأحد

الواحد يبعد عنه كل الشرور ويذهبها للأبد

جلال صاحب الجلالة

تخلى جلال عن العمل لوكيله. وجد الراحة في المشي يتمشى فيالحارة وفي الحي، بين البوابات والقلاع، يجلس في القهوة وحده يدخن البوري.

وفي الليل وقف قبالة التكية. مرت به الأنغام. باستهانة طرق الباب. لم يتوقع رداً. عرف لم لايردون. إنهم الموت الخالد الذي يتعالى عن الرد. تساءل:

  • أليس للجار حق؟

وأنصت للغناء فانساب الصوت في عذوبة:

صبحدم مرغ چمن با گل نوخاسته گفت

ناز کم کن که در این باغ بسی چون تو شکفت

في الصباح طائر المرجة قال للزهرة المفتخرة

تواضعي مثلك في الحديقة  زهرات كثيرة مزدهرة

التوت والنبوت

هكذا  تلقى ضياء الإهانة ثم قذف بها دامية في قلب عاشور. وتلظى ضياء بالغضب، ولكن شرره لم يجاوز جدران البدروم، أما عاشور فغاص في الحزن حتى قمة هامته.كان قوياً ومهذباً. غطى تهذيبه على قوته فواراها عن الأعين. وكان نبيل الرأس غليظ القسمات غامق السمرة. وفي وجنتيه بروز وفي فكه صلابة. ولم يطق البقاء في البدروم مع أحزانه فخرج إلى الظلام، مسوقاُ بقوة خفية نحو ساحة التكية، نحو خلود جده عاشور. جلس القرفصاء دافناً رأسه بين ركبتيه في جو جامد لا يتنفس تسبح فيه الأناشيد وحدها. أصغى طويلاً وغمغم:

  • ما أشد المي ياجدي!

وناجته الأناشيد بلغتها الغامضة:

بی مهر رخت روز مرا نور نماندست

وز عمر مرا جز شب دیجور نماندست

بدون شمس وجهك، نور يومي ما بقي منه شيء

وحياتي ماعدا الليالي المظلمة ما بقي منها شيء

و في الليل دأب على التسلل إلى ساحة التكية. يتلفع بالظلام ويستضئ بضوء النجوم. يردد البصر بين أشجار التوت والسور العتيق. يقتعد مكان الناجي ويصغي إلى رقصات الأناشيد.ألا يبالي رجال الله بما يقع لخلق الله؟ متى إذن يفتحون الباب أو يهدمون الأسوار؟ يريد أن يسألهم لماذا ارتكب فائز جرائمه. حتى متى تشقى حارتنا وتمتهن؟لم ينعم الأنانيون والمجرمون؟ لم يجهض الطيبون والمحبون؟ لم يغط في النوم الحرافيش؟

هذا والجو يمتلئ بالأناشيد:

دیدی که یار جز سر جور و ستم نداشت

بشکست عهد وز غم ما هیچ غم نداشت

رأيت أنه ماعدا الرغبة في العنف والطغيان يا حبيبي لا أملك شيء

لقد حطم العهد، ومن أجل حزننا على الحطام . لم يترك لنا الحزن شيء

وسبح في الظلام صرير فرنا إلى الباب الضخم بذهول. رأى هيكله وهو يفتح بنعومة وثبات. ومنه قدم شبح درويش كقطعة متجسدة من أنفاس الليل. مال نحوه وهمس:

  • استعدوا بالمزامير والطبول، غداً سيخرج الشيخ من خلوته، ويشق الحارة بنوره، وسيهب كلى فتى نبوتاً من الخيزران وثمرة من التوت، استعدوا بالمزامير والطبول.

عاد إلى دنيا النجوم والأناشيد والليل والسور العتيق. قبض على أهداب الرؤية فغاصت قبضته في أمواج الظلام الجليل. وانتفض ناهضاً ثملاً بالإلهام والقدرة فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الأطفال وطموح الملائكة.

وهتفت الحناجر شادية:

دوش وقـت سحر از غصه نجاتـم دادند 

واندر آن ظلمت شـب آب حیاتـم دادند

في وقت بزوغ الفجر  من أحزاني أنا نجوت

في ظلمة ليالي الروح  شربت الأكسير الذي اشتهيت