يُحبُّه الكثيرون، ويستفزُّ الكثيرين. يُصرُّ على التصرفِ عكس ما يمليهِ عليه الآخرون ويفخرُ بذلك. تمتلئُ أعمالُه بالموسيقى التي تُعطي قصصَه حياة. يكتُبُ لأن ذلك الشيء الوحيد الذي يستطيعُ عملَه لمساعدةِ الآخرين. كتاباتُه تأخذُ الواقعَ وتمزُجُه في قصَّةٍ سرياليَّةٍ لتُريك جوانبًا لم تَرَها وتُريك الأسئلةَ التي كان يجبُ أن تطرحَها. لنعرف معًا من هو (هاروكي موراكامي)، ولماذا يُحبُّه الكثيرون؟

وُلد هاروكي موراكامي في 12 من يناير، 1949، بمدينة كيوتو باليابان. هو روائي ياباني، وكاتب قصص قصيرة، ومترجم، وقد أصبحت أعماله المليئة بالخيال وأحيانًا غامضة من أفضل الكتب مبيعًا عالميًا.
رواية موراكامي الأولى (اسمعُ الرياحَ تُغِني-Kaze no uta o kike) التي نُشرت في العام 1979، وتحولت لفيلم في العام 1980، ربحت جائزة أفضل رواية خيالية لكاتب جديد.

منذ بدايته، كانت كتاباته تتسم بالصور والأحداث النابعة من أعمق ذكرياته والتي وجد صعوبة في تفسيرها. وقد جادل البعض بأن هذا الغموض ليس شيئًا منفرًا بل على العكس تمامًا، فقد كان من أحد أسباب شعبيته وسط القراء، وعلى الأخص القراء الأكثر شبابًا الذين ملوا من الكتابات الصريحة االواضحة التي أصبحت من الاتجاهات السائدة في الأدب الياباني المعاصر. أما عن عدم تبنِّيه آراء سياسية أو فكرية واضحة، فذلك قد أزعج العديد من الكُتاب “الجديين” مثل (أوى كنزابورو- Ōe Kenzaburō)، والذين اعتبروا كتاباته الأولى عبارة عن أعمال للترفيه فقط.

طالَمَا تتذكَّرُني لا يهُم إذا نساني الآخرون

أحد العوامل التي تميز رواياته هي أسلوب كتابته غير المعتاد. أغلب النقاد علقوا بأن موراكامي ليس حقًا كاتبًا يابانيًا لأن كتاباته النثرية تبدو إنجليزية أكثر منها يابانية، حتى في نصوصها الأصلية باللغة اليابانية قبل الترجمة، وذلك نظرًا لتأثره بالروائيين الغربيين مثل فيتزجيرالد. يبتعد موراكامي في كتاباته عن الكتابة اليابانية التقليدية والتي تتميز بالجدية والمأساوية، ليستخدم مقاربة أقل جدية وأكثر فكاهية في توظيف كلماته. يعترف موراكامي بنفسه أنه يكتب جمل قصصه باللغة الإنجليزية أولًا، ثم يترجمها لليابانية.

يكتب موراكامي فقرات قصيرة تركز أكثر على طبيعة الشخصيات وحالتها النفسية بدلًا من التركيز على البيئة المحيطة، كما يختلف أيضًا عن الكتاب اليابانيين التقليديين مثل (ياسوناري كواباتا)، الذين يخصصون فقرات عديدة لوصف سياق القصة. وبهذه الطريقة يصبح أسلوب كتابة موراكامي أكثر تشويقًا وجاذبية للقراء اليابانيين، وأسهل في الفهم والاستيعاب بالنسبة للقراء الغربيين.

الموتُ ليس عكس الحياة بل جزءٌ منها

الإحساس بالغربة، والوحدة، والضياع، هو من العناصر الطاغية على كتاباته. في أغلب أعماله نرى أشخاصًا يتبعون قواعد المجتمع الاعتيادية، بينما يشعرون بفراغٍ كبيرٍ بداخلهم، وأن ما يفعلونه بغير جدوى، وقد كان ذلك بسبب وضع المجتمع الياباني فيما بعد الحرب.
بعد الحرب العالمية الثانية مرت اليابان بوضع عصيب ماديًا واجتماعيًا بسبب محاولة إعادة بناء ما فقدوه، وقد اتخذ موراكامي فترة ما بعد الحداثة كسياق لقصصه. أبطاله ليسوا ضحايا لأحداث الحرب بشكل مباشر، ولكن كقارئ يمكنك استشعار تأثيرها عليهم، وكيف أثرت في نضوجهم العقلي وكيفية تعاملهم مع العلاقات الإنسانية. كما تجد أيضًا في كتاباته سخرية من المجتمع الحديث والرأسمالية والتقدم التكنولوجي، فهم لم يساعدوا على تحسين رؤية الشخص لنفسه أو أوضاع معيشته. من خلال كتاباته يرينا موراكامي حجم الفوهة بيننا كأشخاص، وأننا بعيدون عن بعضنا البعض بشكل أكبر مما نتخيل، حيث يحيط كل منا نفسه بحوائط وعوازل ظنًا منه أنه الوحيد الذي يعاني. يرينا كيف يمكن أن ينام شخصان في سريرٍ واحدٍ ويشعرون بالوحدة بمجرد أن يغلقوا أعينهم.

إذا كنتَ تقرأُ ما يقرأُ الآخرون، ستُفَكِّرُ بنفسِ طريقةِ الآخرين

تتضمن أعماله غالبًا شخصيات وأماكن سريالية. ففي روايته (كافكا على الشاطئ) نرى قططًا تتحدث، ونجد مدينة ذات قمرين في روايته (1Q84)، وكذلك الفتاة التي تنام لعدة سنوات في روايته (ما بعد الظلام)، في أغلب الأوقات يصنع موراكامي عالمًا خياليًا يتحدى إدراك القارئ، ولكن بشكل ما يشعر القارئ بأن ذلك منطقي. أثناء قراءة فصول الكتب، ستشعر بالغرابة، ولكن في نفس الوقت ستجد ذلك قابلًا للتصديق. ستجد أن موراكامي يُضمِّن سؤالًا وجوديًا: ماذا تفعل لتجد مغزى لوجودك في عالم سخيف؟ هل تقبل بالوضع كما هو أو تحاول قصارى جهدك لتجد طريقة لتغيير وضعك؟ ذلك النوع من الأسئلة هو ما يحفزه شخصيات وأماكن موراكامي المختلفة، حاول أن تفسر معناها الحقيقي.

من أكثر الأشياء الغامضة في أعماله أنه لا يُعطي إجابات كاملة واضحة أبدًا، فمثلًا لا نعرف ما حدث لـ (تورو) و(ميدوري) في نهاية (الغابة النرويجية-1987)، وما هم الأشخاص الصغار في (1Q84)؟ لا يعطي موراكامي إجابات واضحة ولكن بدلًا من ذلك يدع القارئ يقرر ما يحدث في النهاية.

اصرف مالَك على الأشياءِ التي يُمكنُ أن يشتريها المال، واصرف وقتَك على الأشياءِ التي لا يُمكن للمالِ شرائها

من أحد أهم الخصائص الموجودة في أعمال موراكامي هي إصراره على وضع الموسيقى في كل رواية يكتبها. موراكامي نفسه أحد أكثر المعجبين بالموسيقى، وقد امتلك حانة خاصة بموسيقى الجاز قبل أن يكتب روايته الأولى، وعادةً تتضمَّن قصصُه موسيقى خصوصًا الموسيقى الكلاسيكية والجاز. يجدُ القراءُ متعةً في الاستماعِ لمقطوعاتِه أثناء قراءتهم الروايات. لا تؤثر الموسيقى على الأحداث، ولكنها تجعل القراءة أكثر متعة، كأنك تستمعُ لموسيقي الخلفية بينما أحداث الرواية تجري كفيلمٍ أمامَك.

كلُّ الأشخاصِ قد يكونون عاديّون، ولكن ليسوا طبيعيين

بينما جعلته القصصُ مشهورًا، كان جانبه الإنساني هو ما أكسبه احترامَ من حولِه حتى من الأشخاص الذين لا يعرفون أعماله. بعد حادثة إطلاق غاز السارين في مترو الأنفاق في طوكيو، والتي كانت من تنفيذ طائفة (أوم شينريكيو) الإرهابية في العام 1995، حيث توفى 13 شخص وأُصيب الآلاف، قابل موراكامي العديد من الضحايا ليعرف كيف كانت تجربتهم ذلك اليوم. وهذه المقابلات تم تجميعها فيما بعد في عمله (تحت الأرض- Underground)، ومن ثمَّ في العام التالي قابل موراكامي 8 أعضاء من الطائفة لإيجاد إجابات لهذه الأسئلة: لماذا ارتكبت الطائفة مثل هذا الفعل؟ وما رأي أعضاء الطائفة فيما حدث؟ ومن ثمَّ أصدر الجزء الثاني (تحت الأرض الجزء الثاني). بينما كان الجميع يشيرون أصابع الاتهام لأعضاء الطائفة، أشار موراكامي أن أعضاء الطائفة ليسوا مختلفين كثيرًا عن مواطنين المجتمع العاديين، وقد انتقد المجتمع للتركيز على ما قد حدث، بدلًا من محاولة فهم لما حدث ذلك.

من أحد أبرز المواقف التي عززت سمعة موراكامي كإنساني (Humanitarian) كانت في العام 2009، عندما تسلَّم جائزة القدس، وقد أشعل ذلك الغضب في اليابان والعديد من البلاد لأن إسرائيل كانت قد قصفت غزة للتو. اختار موراكامي أن يفعل عكس ما قيل له، وذهب لتسلم الجائزة ملقيًا خطابًا ينتقد تصرفات الحكومة الإسرائيلية:

 «بين جدارٍ عالٍ وصَلب، وبيضةٍ تتكسَّرُ علَيه، سأقفُ دائمًا في صَفِّ البيضة. نعم، مهما كان الجدارُ على حق، والبيضةُ على خطأ، سأقفُ في صفِ البيضة… إذا كان هُناك روائيٌ اختار لسببٍ ما أن يكتُبَ أعمالَه لدعمِ الجِدار، فهل يُمكنُ أن تكونَ أعمالُه ذات أيّ قيمة؟»

ترجمة: سلمى عياد