معمر عطوي

الرفيق خروتشوف كان وراء شهرته العالميّة، والرئيس بوتين نفض عنه غبار النسيان. بعد عودته من المنفى اعتكف في الصمت، لافتاً النظر بمواقفه المتزمّتة قومياً ودينياً. ماذا يبقى اليوم من سولجنتسين: تراثه الأدبي أم تاريخه السياسي كأشهر المنشقين عن الاتحاد السوفياتي؟

كان شغوفاً بقراءة الأعمال الأدبية منذ سن التاسعة، لكنّه اختار دراسة الرياضيات. في النهاية ستقترن حياة ألكسندر سولجنتسين بالأدب، وستقوده رواياته إلى السجن فالمنفى… قبل أن تدخله التاريخ بصفته أشهر المنشقين في زمن الاتحاد السوفياتي. في غيابه انهارت الامبراطوريّة الشيوعية، فعاد من المنفى إلى روسيا التي غنّى أمجادها وانتمى إليها حتى الشوفينيّة المقلقة. وها هو الروائي الروسي الشهير (1918) يعيش شيخوخته في عزلة بيت ريفي على ضفاف موسكوفا.
كان سولجنتسين جندياً على الجبهة الألمانية، عام ‏1945، حين كتب الى أحد أصدقائه منتقداً ستالين، معتبراً أن الحكومة السوفياتية مسؤولة أكثر من هتلر عن تبعات الحرب على الشعب السوفياتي. وقعت الرسالة في يد السلطات… فكلّفه الأمر 8 سنوات في معسكرات الاعتقال… منها سيستمد مادة روايته الأولى «يوم في حياة ايفان دينسوفيتش» التي لم تُنشر إلا عام ‏1962 في مجلة «نوفي مير» السوفياتية، وذلك بعدما تدخّل الأمين العام للحزب شخصيّاً، وكان يومها نيكيتا خروتشوف. هذه الرواية هي التي دفعته الى واجهة المشهد الأدبي العالمي، لكنّها دشّنت أيضاً حقبةً جديدةً في مسيرة الروائي الإشكالي. فبعد ثلاث سنوات من صدورها، منعت أعمال سولجنتسين في الاتحاد السوفياتي، وبدأت تجربته المريرة… هذا في كل الأحوال ما تقوله الأسطورة التي أحاطت به كالهالة، وقد بلغت أوجها في زمن لم يكن «العالم الحرّ» يعبأ بالحريّة، قدر اهتمامه بتوظيف قضايا المنشقين في الحرب الباردة.
في العام 1965 كتب «جناح السرطان» على شكل حدوتة فلسفيّة، مستوحياً تجربته الشخصية مع المرض في أواسط الخمسينيات. ولعلها أقرب رواياته إلى واقعية القرن التاسع عشر، إذ تقدّم صورة أمينة للمجتمع الروسي بعد موت ستالين. لكن صيت سولجنتسين ذاع سياسياً أكثر منه أدبياً، لكثرة ما اكتنفت كتاباته انتقادات حادّة للسلطة… لكن خروتشوف تباهى بدوره في بنشر «يوم في حياة ايفان دينسوفيتش» التي تفضح معاناة المثقفين في سجون ستالين. وكان خروتشوف يهدف يومذاك إلى مقارعة الحرس القديم، من فلول القيادة الستالينية. تُرجمت تلك الرواية الأولى إلى العديد من اللغات، وشهرته في العالم أجمع، بينما كانت أعماله الأخرى مخطوطات حبيسة الأدراج.
هذا الحظر قد يكون أسهم الى حدّ كبير في حصوله عام 1970 على جائزة نوبل للآداب عن روايته «أرخبيل الغولاغ»، وجعلته شيخ الكتّاب المنشقّين عن المنظومة الشيوعية. لم يسافر سولجنتسين إلى استوكهولم لتسلّم الجائزة، ربما خشيته من عدم السماح له بالعودة. وداهم الـ «كي.جي.بي» منزله عام ‏1974‏ إثر تهريبه «أرخبيل الغولاغ» إلى فرنسا. في تلك الرواية يسرد معاناته في معسكرات الاعتقال الجماعي، واصفاً الآلة القمعيّة والطابع التوتاليتاري للنظام الستاليني. وكان سولجنتسين قد كتبها بين 1958 و1967 على وريقات صغيرة دفنها واحدة تلو الأخرى في حدائق أصدقائه، فيما أرسل نسخة الى الغرب ليهرّبها من الرقابة. ولم يقرّر نشرها إلا بعدما عُثر على إحدى مساعداته مشنوقةً: وكانت قد اعترفت للـ «كي. جي. بي» بالمخبأ الذي فيه نموذج الرواية. في جميع الأحوال «أرخبيل الغولاغ» كلّفت سولجنتسين غالياً. إذ دفعت السلطات الى تجريد الروائي من جنسيته، وسوقه إلى المنفى في شباط (فبراير) 1974… ليعيش فترةً في ألمانيا وفرنسا، قبل أن يتوجّه الى الولايات المتحدة عام 1976. هناك عاش، في ولاية فيرمونت، في ما يشبه العزلة، مكرّساً وقته لدراسة التاريخ الروسي بين ‏1914‏ و‏1917… وقد أحاط بتلك الحقبة بشكل واسع، ووضع في الخامسة والسبعين مؤلفاً ضخماً من عشرة أجزاء، بعنوان «العجلة الحمراء»، يرصد روسيا في زمن الثورة‏.
في أميركا ترأس سولجنتسين حملةً لتدخّل الولايات المتحدة في الفيتنام، ثم البرتغال عندما استولى اليسار عليها عام 1974. ودافع عن سباق التسلّح ضد الاتحاد السوفياتي خلال حقبة ريغان. ولم يعد إلى روسيا إلا عام 1994، أي بعد خمس سنوات على سقوط جدار برلين، ليجدها مرتعاً للفساد والفقر. قرر الأسد العجوز أن يعتكف في الصمت…. حتى انتبه إليه الرئيس بوتين، فنفض عنه غبار النسيان، ومنحه جائزة الدولة التقديرية.
هنا تكلّم صاحب «أرخبيل الغولاغ» أخيراً، ليعبّر عن رأيه بإنجازات الرئيس بوتين. ورأى أن بوتين استردّ بعضاً مما خسرته روسيا، بمحاربة الفساد… و«أيقظ الدب الروسي من سباته ليزرع الرعب في قلب أميركا»! والحقيقة أن المنشق السابق عايش أزمات روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، متنبّئاً بسقوط آخر في زمن روسيا الحديثة الليبرالية المنفتحة على الغرب. «بؤساء الوطن» كانوا محور اهتمامه منذ صدور كتابه «روسيا نحو الهاوية». ويروي سولجنتسين: «بعد صدور الكتاب طلب يلتسين شخصياً منحي وسام الدولة الأعلى، وأجبته بأني لا أستطيع قبول منحة السلطة التي جلبت لروسيا الدمار… لا أستطيع أن أقبل الجائزة من رئيس، بل من مجموعة خبراء ذوي كفاءة، من باحثين روس ومبدعين ومثقفين يحظون باحترام في مواقعهم».
وأوضح سولجنتسين أنّه لدى عودته الى روسيا، كان يعيش حالة من التأليه للعالم الغربي ولنظم الحكم في دوله المختلفة. «لم يكن (ذلك) مبنياً على معرفة حقيقية أو اختيار واعٍ، بل على رفض طبيعي لنظام البولشفيك ودعايته المعادية للغرب». ويشير الى أنّ «هذا المزاج تغير بعد هجوم حلف الأطلسي بالقنابل على الصرب. حتى ذلك الوقت، كان الغرب يمثّل لنا فارس الديموقراطية. في الحقيقة، أصبنا بخيبة أمل في يوغوسلافيا، ذلك أنّ السياسة الغربية اعتمدت في الدرجة الأولى البراغماتية… ما حصل هو نتيجة تفاهتنا».
ويحاول سولجنتسين أن يفهم اليوم التحولات التي شهدتها روسيا: «الكثير من الروس عايشوا سقوط إيديولوجيتهم… والغرب فرح بهذه النهاية للحرب الباردة المرهقة. وراقب سنوات حكم غورباتشوف ويلتسين، وضعف السلطة في روسيا. لقد اعتادوا أن ينظروا إلى روسيا كواحدة من دول العالم الثالث». أما نظرة الكاتب إلى بلاده فتقوم على الحنين إلى عظمتها، وعلى التعصب القومي وتمجيد ثقافة الأرض والريف. ولعلّ من أهم إنجازاته الجائزة الثقافية التي استحدثها لدعم المبدعين القوميّين من أنصار الفكر السلافي والروسي، أو ممن سمّاهم «الأرضيين». أولئك الذين يكتبون عن القرية، ومن بين من اختارهم «صندوق الكسندر سولجنتسين»، الأكاديمي فلاديمير توبوروف والأديب فالنتين راسبوتين والكاتب ليونيد بورودين وغيرهم.
قد تكون أكثر أعماله إثارةً للجدل، روايته «قرنان معاً» (2002) التي كرّسها لتاريخ اليهود في روسيا في غضون قرنين وعلاقاتهم مع الأمة الروسية. انقسم النقاد الى معسكرين في اتخاذ موقف من الكتاب: غالبية القوميين الروس استقبلته بالترحاب، فيما رفضه أصحاب التوجّه الغربي ومن أصول يهودية واتّهموه بالعداء للسامية. سولجنتسين معاد للساميّة؟ خلال سنوات المنفى أبدى صاحب «أرخبيل الغولاغ» تعاطفاً مع الحركة الصهيونية، وتلقَّى دعوة إلى زيارة اسرائيل وجّهتها اليه يومها رئيسة الوزراء غولدا مائير. لكنّ هذا لم يمنع أيضاً «لجان الدفاع عن الحريات في لبنان» من دعوته الى بيروت أواسط السبعينيات بسبب مواقفه من النظام الشيوعي.
في كل الأحوال، كثيراً ما كان سولجنتسين شخصيّة إشكالية أكان في مواقفه السياسية، أم في أعماله الأدبية التي تتفاوت النظرة النقدية إليها. هكذا، اعتبره بعض الكتّاب رجلاً مقاوماً وعنيداً يتمتّع بالحس القومي السلافي. فيما رأى بعضهم الآخر أنّ أعماله يشوبها الكثير من النقص. إذ قال عنه الكاتب الساخر فلاديمير فوينوفتش مرةً إنّه خرافة صاغها الخيال الجمعي، وإنّ إنجازه الوحيد هو «يوم في حياة ايفان دينسوفيتش» فيما الروايات الأخرى تبعث على السأم.
وتحدث الكسندر أوستروفسكي عن ضرورة تحطيم تلك الأسطورة التي حيكت عنه كداعية إنساني، وككاتب عظيم وعبقري. ورأى أن قوى إصلاحية في الاستخبارات الروسية استغلته لترويج أفكار المنشقّين الإصلاحية وإضعاف النظام الشيوعي. وأعرب العديد من الأشخاص في الأوساط التقدمية في روسيا عن خشيتهم من قناعات سولجنتسين الدينية المتزمّتة.
على رغم كل ما قيل عنه، فإنّ الروائي العجوز تمسّك في كل ما كتب بإيمانه العميق بروسيا، وبتفرّد ثقافتها‏، وتميّزها الروحي عن أميركا وأوروبا.